بقلم: محمد عبد الجبار الشبوط
النائب الصديق صادق الركابي من النواب القلائل الذين يتحدثون عن المسائل الستراتيجية الاساسية المتعلقة بقضية بناء الدولة، في خضم الانشغال التراجيدي الكبير بالتفاصيل الكثيرة المتعلقة بقضايا السلطة والخلاف عليها وحولها.الركابي لفت الانظار في جلسة البرلمان ليوم امس الاول الاثنين الى ان الدولة العراقية مازالت تفكر على المستوى الاقتصادي على طريقة الدولة الاشتراكية المركزية، حيث تتحول الدولة الى تاجر كبير، ومورد للبضائع والسلع، ومشيد للمساكن، وناشط اكبر في السوق، وكأنها امتداد للدولة البعثية التي كانت تسير على هذا النهج تحت شعار الاشتراكية التي ادت الى اثراء المسؤولين والمقربين من الحاكم، وافقار عموم الناس.اشارة الركابي الذكية تحيل الى مسألة اثرتُها يوم امس، وهي ان الخلاف حول هوية الدولة لم يحسم بعد، ومن ذلك هوية الدولة الاقتصادية. فهل العراق الجديد دولة اشتراكية تؤمن بالتخطيط المركزي ودور الدولة الشديد في الحياة الاقتصادية؟ ام انها دولة تؤمن باقتصاد السوق، والمبادرة الفردية والقطاع الخاص؟الدستور العراقي، الذي يتحدث عن دولة اتحادية ديمقراطية، لم يحسم هوية الدولة الاقتصادية، لكنه قال في مادة تكاد تكون يتيمة:"تكفل الدولة اصلاح الاقتصاد العراقي وفق اسسٍ اقتصاديةٍ حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده، وتنويع مصادره، وتشجيع القطاع الخاص وتنميته." الا ان الممارسات اللاحقة للدولة لا تتماشى مع الدستور، في هذا الصدد، بل راحت باتجاه معاكس لذلك بالضبط. لاحظ النائب الركابي عن حق ان تشريعات الدولة المقدمة من قبل الحكومة الى مجلس النواب تسير باتجاه الدولة المركزية في مجال الاقتصاد. والدولة تدخل كفاعل قوي في السوق عن طريق وزارة التجارة، بل ان الكثير من التعليمات والقوانين المعمول بها لا تؤدي الى تشجيع القطاع الخاص. تفرض احدى هذه التعليمات على دوائر الدولة ان تشتري من وزارة الصناعة، وتعبر عن ذلك بكلمة "منتوجات وزارة الصناعة". وهذا يعني ان الدولة لا تشجع على الشراء من القطاع الخاص. ستكون المنافسة خاسرة بين القطاع الخاص وبين وزارة الصناعة، لأن الدولة ابتداء تحكمت بالسوق عن طريق توجيه الطلب الرسمي باتجاه "منتوجات وزارة الصناعة" وتحريم شراء منتوجات القطاع الخاص. يؤدي هذا على المدى البعيد الى ضعف القطاع الخاص. كما يؤدي الى زيادة حاجة الدولة الى توظيف المزيد من الايدي العاملة في دوائرها.هذه السياسة ذات آثار مدمرة على بناء الديمقراطية. فالديمقراطية لا تزدهر الا في بلد ينمو فيه السوق ويتحرر من هيمنة الدولة، وفي بلد ينمو فيه المجتمع المدني وتتعمق استقلاليته عن الدولة، ويترسخ فيه دور الفرد ويتسع نشاطه، لا يمكن بناء ديمقراطية سليمة في بلد تسيطر فيه الدولة على السكر والرز والمساكن والسلع الاخرى والتوظيف وغير ذلك.المسألة تتعلق بهوية الدولة، وهذه الهوية مازالت غامضة حتى الان. هذه هي المشكلة، وليست تقسيم المناصب بين الكتل السياسية المتصارعة عليها.








