بقلم: م.سلاهب الغرابي
كثيرا ما نطرح هذا السؤال على أنفسنا ( كيف نتخلص من التفكير السلبي)؟ الا أننا لم
نحاول مره أن نحول هذا السؤال الى استفهام اخر هو ( كيف نقي أنفسنا من التفكير السلبي)؟
وهذا ماأكد عليه الباحثين بضرورة السعي الجاد لوضع استراتيجيات دقيقة من خلالها نقي
انفسنا من الوضعيات والحالات التي تقودنا الى ان نكون مرتعا خصبا للافكار السلبية
وعلى كل حال فنحن امام مهمتين :
الأولى تتمثل في ( ماهي الأشياء التي تسهم في منع وصول الافكار السلبية الينا)؟
الثانية تتثمل في ( كيف نتخلص من الافكار السلبية التي تجتاحنا وتسيطر علينا)؟
قبل الحديث عن الافكار السلبية ومسبباتها وعن طرق التخلص منها وعن كيفية وضع الحواجز
دونها يحسن بنا أن نتحدث عن العلاقة القوية بين الثقة بالنفس وبين الافكار الايجابية ،
وفي المقابل بين الافكار السلبية وبين الضعف والخور في الشخصية، حيث انه كلما قويت ثقة
الانسان بنفسه وكملت ثقته في قدراته وما يتحلى به من سمات وصفات ومواهب كلما كانت
شخصيته ايجابية وكانت كذلك افكاره ايجابية عن نفسه وكان ايضا ايجابي النظرة الى الآخرين
وكلما كانت ثقة الانسان بنفسه ضعيفة مهزوزة كلما كانت افكاره السلبية تفوق عدد دقات
القلب في الدقيقه الواحده، ولذا توقف
قليلا عزيزي القاري واسأل نفسك ( هل انت واثق من نفسك)؟ من قدراتك؟ من مواهبك؟ هل انت
راض عن نفسك؟ هل انت تتقبل نفسك كما هي؟ هل تسعى للأقتداء بخير خلق العالمين الرسول
الأعظم محمد (صلى اله عليه وآله وسلم) هل تمتلك رؤية معتدله في تقييم الامور العامة في
واقعك ومجتمعك ام انك متخبط بأمور الدنيا الفانية ومتردد غير ثابت على مبدء وعقيدة؟ ثم
هل انت متأكد من جميع اجاباتك؟ أتح لنفسك فرصة للتأمل ! ان كانت الاجابة بنعم أي انك
واثق من نفسك وقدراتك ومواهبك ومتقبل لنفسك كما هي وعالم بمواطن العيب فيها فانت تسعى
الى التقويم وعالم بمواطن القوه وأنك تسعى
الى المزيد وبهذا فانك قطعت المسافة الكبرى من رحلتك نحو تفكير ايجابي بناء والتخلص
من أفكارك السلبية القليلة المنزوية في ذهنك وعقلك فلن تجد صعوبة ابدا في اقصاءها
وابعادها.
اما ان كانت الاجابة بلا!!! فهنا يجب ان تصارح نفسك بأن امامك مشوار يتطلب تركيزا وهمة
عاليه حتى تصل الى هدف سامي هو التفكير الايجابي الخلاق هنا يجب ان نشير الى موضوع مهم
وهو ما ذكره د.علي الوردي و هاورلد شيرمان وغيره من الباحثين المتعمقين في التفكير
الايجابي الخلاق الابداعي يتلخص هذا الامر في ان مراقبة الأفكار والسيطرة على الخواطر
هي مهمة شاقه وليست ابدا سهلة وكمية الافكار والخواطر التي ترد علينا لا شعوريا كمية
هائلة ولذا نحن نملك مراقبتها واقصاء السيء منها وقبول الجيد منها اما قضية السلامة
منها فهو امر لا يقدر عليه ! فلابد أن
نتذكر دائما وابدا ان مراقبة افكارنا مهمة ضروريه.
ان السلام الداخلي يجعلك انت بنفسك وحدك من يتحكم في الموقف…….انها غاية قد تكون صعبة
المنال وتتطلب منا الجهد حتى نصل اليها.ليس من السهولة ان نتحكم في مشاعرنا ونوجهها حيث
نشاء لاننا احيانا نفقد السيطرة لقوة الموقف وصعوبته لكن الذين يتمتعون بالسلام الداخلي
لديهم ما يمكن ان نسميه استعادة التحكم فهم يتميزون عن غيرهم من الناس انهم وان كان
للمواقف التي يواجهونها تأثيرا عليهم لكن لا يسترسلون خلف هذه المواقف الى المجهول الذي
لا يعلمونه بل سرعان ما يعيدون للمركب توازنه وللسفينة ثباتها حتى لا تغرق في لجج
البحر..
ولو قلت ان من اهم صفات الشخصية الايجابية بعد الثبات على رؤى ونهج الرسول وآال بيته
عليهم السلام ، الثقة بالنفس لأصبت عين الحقيقة، وفي المقابل ان التردد والانسياق خلف
الانفعالات والافكار والعواطف التي تبعدنا عن التماسك بسهولة هو الخطر الحقيقي الذي
يسبب الافكار السلبية .
( فماهو التفكير السلبي؟) انه بإختصار التشاؤم في رؤية الاشياء ، المبالغة في تقييم
الظروف والمواقف ، انه الوهم الذي يحول اللاشيء الى حقيقة مائلة ، وسببه الأبتعاد عن
ذكر الله عز وجل وهذا سر نقمته!! فلو كل متشاؤم لجأ الى الله (جل وعلى) بدعاء لا يأخذ
منه سوى دقائق بنية صادقة لأنجلت غيمات حزنه وسلبية رؤيته لبعض الأمور.
أما التفكير الايجابي الذي هو التفاؤل بكل ما تحمله هذه الكلمه من معاني انه النظر الى
الحق في كل شيء انه منهج حياة قائم بذاته ينمو بشكل متوازن مع نمو التدين الأسلامي
السليم والألتزام بقيم القرآن الكريم لأنه كتاب هداية لسبل العلم وتحريض على أكتسابه
ويهيء المناخ المناسب لكل منا للنمو العلمي وبناء العقل بوظيفته من ناحية التفكر
الأيجابي والتدبر والنظر الموصل الى التفوق والنجاح وهنا تكمن نعمته .
ولابد لنا من وقفة للتعرف على أسباب التفكير السلبي وطرق التخلص منه ،فأما الأسباب التي
تجعل الانسان يكون ذا تفكير سلبي عديدة ومنها :
الأنشغال عن ذكر الله عز وجل بأمور دنيوية زائلة والأهتمام بمظاهر الأمور والأبتعاد عن
جواهرها وكذلك الانتقادات والتهكم الذي ربما يتعرض له الفرد من محيط أسرته او عمله او
أقاربه ،والانسياق السريع خلف المؤثرات ،والانفعالات الوجدانية والعاطفية والاسترسال
دونما روية مما يبعده تماما عن الثبات والهدوء اللذين يمهدان لشخصية ايجابية الفكر
والسلوك، و الانطواء على النفس، وعقد المقارنات بين الفرد وبين غيره من الذين يتفوقون
عليه مع تجاهله لمواطن القوة والتميز لديه والمواقف السلبية المترسبة لدى الفرد من صغره
،و الحساسية الزائدة ،و
الفراغ الذي كفى به داء وكفى به سبيلا يسيرا للافكار السلبية فعدم وجود اهداف عظيمة
وطموح لافت لدى الفرد يشغل عليه تفكيره ويحدده في نقاط معينة يسعى الى صنعها ورؤيتها
في واقعه من شأنه ان يوجد فراغا فكريا كبيراً ،والسوداوية في رؤية الامور والمواقف
،واتخاذ اصدقاء سلبيين في افكارهم ونظرتهم ولا أحد يشك في تأثير الصديق ،وكذلك مشاهدة
البرامج او الافلام او قراءة مقالات تحمل طابعا سلبيا فان لذلك أكبر الأثر .
اما طرق التخلص من الافكار السلبية عديدة ومنها:
التوازن الديني ومعرفة واجباتنا وحقوقنا ،والهدوء والاسترخاء أمر ضروري ومهم لاستعادة
التوازن النفسي والذهني والعاطفي والأبتعاد عن الغضب وعلينا نتذكر ماقاله أمير المؤمنين
(عليه السلام) :*يباعدك من غضب الله أن لاتغضب*
وكذلك التمسك بأهداف سامية علمية وعمليه والسعي والجد للوصول اليها لأن الفراغ خير صديق
لكل ما هو سلبي والعزلة احيانا مرتع خصب للافكار السلبية، والأبتعاد عن الأفكار
التشاؤمية والنظر للأمور بعين الموضوعية ولاننسى بأن التفاؤل سبيل عظيم نحو السعادة
الداخلية والنظر الى الجانب المشرق والجميل في الاشياء ،والحرص على نفع الاخرين
ومساعدتهم ومد يد العون لهم فان صدى هذا الخير يرجع لفاعله وأثره يناله لا محاله،
والأبتعاد عن الوهم والتمييز بين ما هو حقيقه وبين ما هو خيال ،وتعلم فن التجاهل
للافكار السلبية والمضي في طريق ثابت .
قد يكون الامر ليس سهلا لكن الوقت باذن الله كفيل ان يوصل من يعاني من افكارٍ سلبية
الى انسجام داخلي رائع واستبدال الأفكار السلبية بأيجابية وبهذا يتحقق ..التحول من
القول الكثير والعمل القليل الى العمل الكثير والقول القليل وبهذا نثير الأقتداء
بأعمالنا وندلل من سلوكنا على حيوية قيمنا وفاعليتها في رحلة الكشف العلمي الذي ندرك من
خلاله حقيقة القيم الأسلامية فحينها يدفعنا الأعجاز العلمي الى المقاربة والمحاكاة
وإدراك أهمية التفكير الإيجابي لنتحول من الحديث عن الإعجاز العلمي الى الحديث عن
الإنجاز العلمي وثوابه العظيم فتتقدم القافلة
العلمية ونقود الدنيا الى الخير والصلاح لإن ذلك لا يأتي بالصراخ والخطب والحماس ومن
ثم العودة الى التمتع بالإسترخاء في استراحات التفكير السلبي بل بوضع سبيل واضح يوافق
العقل والشرع معاَ والترقي بهما لتثمر ساحة الفعل البشري في الإنجاز العلمي والتألق
الحضاري والأستمرار بالعطاء الانساني







