قراءة في مجموعة «الصمت يُصلّي وحيدا»

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 23 نوفمبر 2017 - 10:29 صباحًا
قراءة في مجموعة «الصمت يُصلّي وحيدا»
شاكر مجيد سيفو
من وحي كلمات الإهداء للديوان )إلى نواقيس برطلي لن تصدأ رناتكم ، حبل قرعكم يبقى حبلاً سرياً) غطت نواقيس برطلي على مساحة المكان اليوتوبي للدال المحتفى به )برطلي) ثيمة  مكانية شعرية كلية حيث شملت العبارة  (نواقيس برطلي) بل أحتفت بشوارعها وأزقتها وبيوتاتها وشيوخها وشبابها وجداتهم وحكاياتهم وطفولاتهم واحلامهم وقداديسهم وفرارات اطفالهم وأحفادهم وعربات الخيار والخس والطماطة والباذنجان والتفاح والرمان والخوخ والعنب والكيوي والموز ، ويؤكد الشاعر أمير بولص في نفيه (لن تصدأ رناتكم)على تثبيت وترسيخ الامل والصمود وتوالدية الحياة في عبارته (حبل قرعكم يبقى حبلاً سريًا) مجموعة  الشاعر أمير بولص ابراهيم تضمنت (57 قصيدة)  تنوعت موضوعاتها في مقترباتها اللغوية بين الواقعي والخيالي وتسريد الحكاية الشعرية بين مستويين, اليومي الذاكراتي والتأريخي الموضوعي والعزف على وتر التشكيل العامودي على أساس ترسيخ المعاني الحياتية في رؤية الشاعر للحياة شعراً وتخيلاً ، رغم اقتراب لغة الشاعر في منحنيات قصائده من المباشرة والتقريرية لكن سرعان ما يخطف الشاعر لغته من هذا الأفق المفتوح لسانياً إلى مجسات التخييل بنشوة شعرية ذاتوية يتحسسها الشاعر داخل موجوداته وكائناته ورموزه في صراعه مع الزمن والوجود والاشياء والحال الكارثي الذي دمر كل جميل في مدينته )برطلي) .

الرؤيا ، الحلم إحدى معطيات قصيدته الاولى )العروس ذات الشعر الأبيض) إنموذجاً، يقول الشاعر من بنية الاستهلال : ) في حلم ٍ راودني ليلة الأمس ِ / رأيتُ أبي ، أخي ، وبقية الموتى / متشحين بالبياض / يقفون على نوافذ الكنيسة الحزينة الفارغة / عيونهم شاخصة إلى الناقوس / يهرعون ليقرعوه / الناقوس أصابه الوجع / لمن تقرعوني / من يسمعني / غادر الجميع… لم يبق / غيركم أيها الموتى / حينها قرر الموتى / إقامة قداس يستذكرون به الأحياء / على مذبح الرب / ص13-14. في هذه المقاطع يؤسس الشاعر صورته  الشعرية  الوصفية التأملية الحلمية في(في حلم راودني) والتأملية الرؤيوية في (رأيتُ أبي ، أخي وبقية الموتى / متشحين بالبياض) والوصفية البصرية التصويرية في (يقفون على نوافذ الكنيسة الحزينة الفارغة / عيونهم شاخصة إلى الناقوس …) ويغادر هذه المشهدية الحلمية إلى التساؤل في (الناقوس أصابه الوجع / لمن تقرعوني / من يسمعني ، غادر الجميع .. لم يبق / غيركم أيها الموتى..) ليرسخ بعد هذه الرحلة الحلمية المنكسرة صورة مشهدية عالية قيمة شعرية وحياتية في تتويج خاتمتها بإحياء الناقوس وطرد وجعه وخلاص الموتى بإقامتهم القداس لاستذكار الأحياء)حينها قرر الموتى / إقامة قداس يستذكرون به الأحياء / على مذبح الرب) ، هنا تتأسس المعادلة الضدية من القطب السالب للدال (الموتى) وتجسيده  دالاً موجباً في (إقامتهم القداس) وتقريب الداّل الموجب من مركز قطب الداّل السالب ، لإحياء المعادلة التضادية (الموتى يقيمون) والاحياء يُستذكرون في قداس الموتى الفاعل رؤيوياً وحلمياً بالعودة في الاستهلال النصي (في حلم راودني ليلة الأمس) وبهذه الرؤية الإشراقية الختامية يكون الشاعر قد أنقذ حلمه من بنية الانكسار والوجع (الناقوس أصابه الوجع) إلى بنية الحضور والاشراق في (إقامة قداس يستذكرون به الأحياء). لكنني أرى العنونة الفرعية أكبر بكثير من العنونة الرئيسة حتى وإن دل على البؤرة المركزية لقصائد الديوان (بدلالة الاستحياء من بنية الإهداء)  ومستوييها الدلاليين (نواقيس برطلي والحبل السري لها) و (برطلي ونواقيسها) و(حبلها) وتمثل مفردة (إصحاح) تأريخاً للحكاية والحادثة الشعرية في مرجعيتها اللسانية بالعودة إلى تشفيرات المنطوق اللفظي للإصحاح في الموروثات الميثولوجية والغنوصية. ويهيم الشاعر في سرد حادثته الحكائية الشعرية )تعانقني زوايا الدار وتلهث أنفاسها بالسؤال ..) وتسريد ذكرياته بلغة قريبة من البوح  ، وتتوزع ذكرياته في محيط وداخل الدار في توصيفه للاشياء بالتتابع النصّي للغته المفتوحة ورؤيته المستقطبة للاشياء )ذكرياتك من الصور المعلقة على جدراني / سريرك المعفر بالحب حملوه معهم / ليمارسوا غرز قبلاتهم المقززة / في أجساد السبايا / نشوق جدّتك / المحتفظ به تراثً / نثروه أرضاً / سحقوه بأقدامهم / كتاباتُك إنزوت …ص15) تتوزع صور المشهدية الشعرية هنا في إنشطارات الذكريات وتبئيرها صوريا في رسوخها الصوري الماضوي في جملته الشعرية ) ذكرياتك من الصور المعلقة على جدراني) يسند الشاعر فاعلية الصور المعلقة الى ذات الكيانية في جدراني) ، ثم ينحرف بإتساع الرؤيا إلى ذكريات الانكسار والفقدان والعدم في جملته الشعرية) سريرك المعفر بالحبّ حملوه معهم / ليمارسوا غرز قبلاتهم المقززة / في أجساد السبايا) ويعود الشاعر الى أرومته المُجسَّدة في )نشوق جدّتك المحتفظ به تراثً ../ نثروه أرضاً / سحقوه بأقدامهم) ويؤكد الشاعر هنا في هذه الجمل الشعرية اللاحقة على فقدان الحياة في )كتاباتك إنزوت / بعد أن مُرغّت حروفها برائحة اللحم الفاسد ولتنتظر عودتك / الكلاب التي دخلت بعدهم/ لعقتها ../ فحمحتها ..) ص16 بعد هذه الرحلة الانكسارية الموجعة يعود الشاعر الى حلمه ِ الأول ونداءاته النشيجية العالقة بصورة روحه الممزقة ورغبته في السفر داخل الروح والتحليق بالروح، روحه، نحو البلاد البعيدة القريبة جداً ) في حضنكَ داري خذيني الآن حُلماً / أو ولو حلماً افتراضياً / لأنسى وجعي وهذياني)  ص16.

2017-11-23 2017-11-23
admin