“شيخ جاكسون” صراع البحث عن الذات

wait... مشاهدةآخر تحديث : الأحد 12 نوفمبر 2017 - 9:47 صباحًا
“شيخ جاكسون” صراع البحث عن الذات
علاء حميد
تعبر رحلة شيخ جاكسون عن صورة كبيرة يعيشها الفرد العربي داخل المجتمع الذي يعيش فيه، اذ ينازع طوال حياته تحدي الاجابة على سؤال ” من انا ؟ ” والذي يتحول بعد ذلك الى “من نحن؟ ” حين يذوب هذا الفرد داخل الجماعات، ومضمون هذا السؤال نابع من تراكم ادوار مر بها الفرد العربي منذ لحظة وعي طفولته الاول الى غاية تشكله كفرد وشخصية قرئت على شكل اجتماعي معين.

ولهذا يقع فلم شيخ جاكسون الذي اخرجه وكتبه مع عمر خالد المخرج عمرو سلامة في مدار طرح المعالجة النفسية والاجتماعية لما تواجهه الشخصية العربية من محنة تدوير الاسئلة ذاتها في كل مجتمع عربي مع اختلاف السياق العام الذي تطرح فيه، ولكنها تبقى مرهونة في أغلبها بتحديد العلاقة بين الماضي والحاضر، اذ تبدأ مشاهد الفلم بمقولة ” الى هؤلاء الذين صنعوا معي الذكريات … وانتم تعرفون أنفسكم ” ومن بعدها الدخول على مشهد لمجموعة من الافراد يظهر عليهم سمات دينية سلفية وهم يحملون ميتا على أكتافهم في مكان واسع وكأنه صحراء تستوعب كل وقع الماضي الذي حمل معه جاكسون الشيخ السلفي ذو الخلفية الاجتماعية المتناقضة فهو حصيلة تقابل وتناقض بين مجريات تنشئته الاجتماعية والعلاقة بين الام والاب، الاخير الساعي الى جعل ابنه رجلا صعب المراس وفترة مراهقة يعجب فيها بفتاة زميلة له في المدرسة ومرحلة شباب يتعلق فيها بالمغني الاميركي مايكل جاكسون. يعتمد المخرج سلامة أسلوبا يقوم على أثار بؤرة في الحاضر ليكشف بها عن خلفيتها وأسبابها في الماضي او ما يطلق عليه في السينما Flash Back، اذ يبرز شيخ جاكسون كمنطلق للعودة للماضي وكيف وصل به الحال الى ان يتحول الى رجل دين سلفي يناقض ما كان عليه في شبابه من تعلق بالمغني الاميركي المعروف مايكل جاكسون حين شاهده اول مرة یرقص على شاشة التلفزیون عندما كان جالسا مع ابيه. الاكتشاف والغرابة هي من جعلته يسأل والده عن هذا المغني الراقص بشكل مختلف عن بقية المغنيين، فكان رد الاب صادما له حينما أخبره بانه مغني ” مخنث “، على العكس من أمه التي وصفته بأنه مطرب مهم واسمه مايكل جاكسون وانها تحبه لانه يذكرها به. ان هذه المفردة – مخنث –  لا تحيل الى جنس معين، اذ تحمل دلالات مبهمة وليس لها القدرة على التعيين، ومن هنا بدأت ملامح السؤال الذي سوف يرافق هذا الطفل الى اخر لحظة في حياته (من هو؟)، والذي يقابل نفس مضمون السؤال (من أنا ؟) . يهيمن حضور شيخ جاكسون على أغلب مشاهد الفلم كونه الحاضر الذي يخفي الماضي المغاير، اذ عمد المخرج طوال مشاهد الفلم على اخفاء اسم شيخ جاكسون الحقيقي وهي إشارة رمزية لغياب الاجابة على السؤال السابق من هو / من أنا ؟ كما هي تأكيد على عدم حسم العلاقة بين الماضي والحاضر. استقر شيخ جاكسون في أسرة متكونة من زوجة وطفلة تعيده بسلوكها الى تذكر الماضي حين يكتشف مصادفة انها تشاهد على شبكة الانترنت أغاني المغنية الاميركية بينوسيه، حينما يدخل وبشكل اعتيادي غرفتها كي يوقضها لتناول الفطور قبل الذهاب الى المدرسة ويرى على شاشة كمبيوترها يوتيوبا فيه أغاني بينوسيه والى جانبه نافذة على أغاني مايكل جاكسون، الأمر الذي يجعله في حالة صدمة محاولا بصعوبة استيعاب ما هو فيه سريعا، خاصة ان ذاكرته المصاحبة لهذا المغني عادت له سريعا، وأرجعته الى ذكريات زواجه والاغنية الدينية التي كانوا ينشدونها سويا ولم تكن طفلته تتقبلها بسهولة، بيد ان وقع سماع وفاة المغني مايكل جاكسون من احدى راديوات السيارات التي كانت تسير بجانبه اثناء ايصاله زوجته وبنته للمدرسة وضعه في صدمة لم يكن يستطيع تخطيها، حتى وصل به الذهول الى ان يصدم سيارته باحد اعمدة الشارع. يضعه موت جاكسون في لحظة استيقاظ وعودة الى ماضيه، وهنا تكمن محاولة  المخرج عمرو سلامة بناء تقابل خفي بين الموت الذي يرتبط بحدث معين والاستيقاظ، فموت جاكسون المغني ارجعه الى مرحلة التعلق به واسبابه والدور الذي كان يعيشه ايام شبابه، اصبح جاكسون الميت يلاحقه في كل مكان يذهب اليه فهو حاضر معه في اداء الصلاة التي يؤم بها المصلين يوميا في الجامع وبات يظهر له حتى في الاحلام التي تراوده ليلا. أعادته لحظة موت جاكسون الى الماضي حينما كان موجودا في حياته، واول شيء استرجعه اسمه ” خالد “، هذا الأسم الذي ارتبط في ذهنه بتساؤل كان يطرحه على أمه ايام طفولته ومن ثم الى خاطرة خطها على الورق لتعاقبه عليها إدارة مدرسته وكان يخاطب بها إله الكون لعله يرشده الى معنى هذا التناقض الظاهر بين معنى أسمه ” الخلود ” وموت الاشخاص الذين يتعلق بهم والذي تعزز بفقدانه لأمه. لقد اخذ الماضي بصوره ومراحله يحاصر كل لحظات حياته، لذلك عليه الوصول الى صيغة تخرجه من هذا المأزق والكوابيس التي تراوده كل يوم، خاصة انه بدأ يرى امامه اربع شخصيات تخرج له من قبورها ” الطفل، الفتى المراهق، الشاب المتعلق بمايكل جاكسون ، شيخ سلفي ” فمن هو فيهم ؟. يعود شيخ جاكسون الى نقطة البداية من الشقة التي نشأ فيها وتنازعته الادوار التي مر بها لكي يمسك الخطوة الاولى وقبل ذلك يلتقي بالفتاة التي تعلق بها وينشد الى استعادة اللحظات القديمة معها ولكن دون فائدة، ثم بعد ذلك يواجه والده ويعمل على حسم صراعه معه، ليختم بحثه عن الذات باستعادة ذكرياته مع المغني جاكسون وهو يؤدي رقصة من رقصاته وهو يرتدي لباسه السلفي الديني. فلم شيخ جاكسون إطلالة ملفتة على تحولات الشخصية العربية وهي تواجه تحدي إثبات الذات. تميز ممثلو الفلم بأداء أدوارهم، مثل ماجد الكدواني الذي اخذ دور الاب والممثل الشاب الواعد أحمد مالك الذي تميز بتمثيل دور الفتى والشاب المتعلق بجاكسون ليأتي من بعده أحمد الفيشاوي مؤديا دور شيخ جاكسون. مرة أخرى يسعى المخرج الشاب عمرو سلامة الى استفزاز المتلقي عبر عرضه لقضايا يتم التغاضي عنها، وهذا ما عمل عليه في فلمه السابق ” لا مؤاخذه ” عن فتى مسيحي يعيش محنة الدراسة في مدرسة أغلب طلابها من المسلمين وهو الوحيد فيها من ديانة أخرى.

2017-11-12 2017-11-12
admin