جماعة الأهالي

wait... مشاهدةآخر تحديث : الأحد 5 نوفمبر 2017 - 12:19 مساءً
جماعة الأهالي
محمد غازي الاخرس

لا يمكن فهم قصة التيار الليبرالي وتبيّن أسباب فشله في العراق دون المرور بجماعة الاهالي التي نوهنا بها سابقا وهي جماعة كان يمكن أن تؤسس تيارا سياسيا ثالثا لولا قوة وعنف التيارين الآخرين، اليساري والقومي، اللذين خنقاها مع سبق الإصرار والترصد. انطلقت جماعة الأهالي من رافدين أساسيين ظهرا في بغداد وبيروت، وكان من رموزهما حسين جميل وعبد القادر إسماعيل ومحمد حديد وعلي حيدر سليمان وعبد الفتاح إبراهيم. وتفيد التفاصيل أن بعض هؤلاء انتموا، في بيروت، الى جمعية طلابية سرية كانت قد أسست منذ عام 1921 وكان هدفها تحرير البلاد عند العودة الى الوطن والاشتغال في الحركة الوطنية. ولئن افترقت مصائر رواد الأهالي مؤقتا بعد سفرهم كل إلى بلاد، إلا أنهم سرعان ما اجتمعوا لاحقا ببغداد وبدأوا في تجسيد بعض أفكارهم فأسسوا جريدة «الأهالي» عام 1932. ارتكز فكر الجماعة، في بداية الأمر، على إشاعة الحداثة في التفكير عبر تثوير الوعي والدفع باتجاه تطوير المجتمع، وتجلى ذلك منذ الإعداد الأولى من الجريدة حيث طرحت أفكار مثل رفع مستوى المعيشة وتثبيت وضع سياسي واقتصادي سليم واستثمار المواهب الفكرية، «في سبيل ايجاد العدد اللازم من أولئك الذين يعملون ولا يعلنون.. شباب عقيدته راسخة وخطته معينة موضوعة».  وكما هو متوقع، اهتمت الصحيفة بكل ما هو جديد في الفكر والأدب، فكان أن أفردت صفحة خاصة بالقصة يحررها عبد القادر اسماعيل وتدور حول القصص الاجتماعية مما كان يكتب اليساريون كعبد الوهاب الامين وعبد الله جدوع ولطفي بكر صدقي وقاسم حسن ويوسف متي فضلا عن عبد القادر اسماعيل نفسه. كان صدور»الأهالي» قد مثل مرحلة أولى في نشاط الجماعة، مرحلة ربما أثارت انتباه النخبة المثقفة لدرجة أن شخصية مرموقة مثل كامل الجادرجي سعى لاحقا للتعرف الى أولئك المثقفين ومن ثم انضم لهم. بعد تلك المرحلة الإعلامية  التثقيفية حدث أن أعلن قادة الحركة عن تأسيس تنظيمين اجتماعيين ثقافيين احتفظا بالطابع الثوري ذاته، وهما نادي بغداد ولجنة السعي لمكافحة الأمية . كان هذان التنظيمان العلنيان قد أصابا نجاحا كبيرا وحازا الثقة، لا عند شريحة المثقفين فقط، بل عند النخبة السياسية لاسيما الناقمة على الأوضاع العامة من أمثال جعفر ابو التمن وكامل الجادرجي وأخيرا حكمت سليمان. بعد ذلك  أحدثت الجماعة ما يشبه نقلة الفرس فشكلت جماعة سياسية أطلقت عليها «الشعبية». وكانت الأهداف قد ابتعدت عن التثقيف كثيرا فعدا «بث الوعي الشعبي»، و»الرغبة في ضبط الحركة الوطنية»، طرحت الجماعة مشروع إعداد الكوادر اللازمة لاستلام السلطة عندما تكون الفرصة مؤاتية. نعم، استلام السلطة. فهل لاحظتم كيف تتحول الليبرالية والبحث عن حداثة التفكير إلى آيديولوجيا فتنحرف عن منطلقاتها «الحرة»؟ دعونا نفصل في الموضوع فيما بعد.

2017-11-05 2017-11-05
F