التاريخ ليس كلّه قتلاً وتشدّداً

wait... مشاهدةآخر تحديث : الأحد 5 نوفمبر 2017 - 9:45 صباحًا
التاريخ ليس كلّه قتلاً وتشدّداً
عبد الزهرة زكي

في مسار تأصيل فكر التطرف، وهو مسار مزدحم بالآراء وبالمعبِّرين عنها، فإن كثيراً مما ينطلق من هذا المسار من آراء تمضي إلى أن داعش والتطرف وتشدّد الإسلامويَّين المعاصرين هما نتيجة حتمية للفكر الإسلامي، وقد يأتي بعضٌ من الكتّاب والمعلقين بشواهد كثيرة لتأكيد صواب ما يريد. نعم في التاريخ شواهد كثيرة على التشدد في التفكير والمغالاة في العنف، وربما هناك ما هو أفظع وهو ما لم يكتبه التاريخ عن ظروف الحروب، الداخلية منها والفتوحات، وعن جرائم التعامل مع المختلفين، أفراداً وجماعات.. لكن في التاريخ أيضاً شواهد مدوَّنة تمضي بالعكس من ذلك، وهي كثيرة أيضاً. بمثل هذه الحالات يمكن تصفّح الفكر والتاريخ، تاريخ الوقائع، جنباً إلى جنب للوقوف على طبيعة سيرورة التفكير لدى المسلمين واستنباط الحقائق. الفكر الإسلامي دائما ظلَّ في سيرورة مستمرة؛ القرون الأولى التي تلت الرسالة هي قرون حركة وتصارع وجدل على صعيد الفكر والحياة. ولو كان هذا الفكر راكداً ومستقراً ومستسلماً لوجهة النظر التي يجري التركيز عليها الآن والتي تذهب إلى أن التشدد هو الخلاصة الوحيدة للتراث العربي الإسلامي فإن الحياة العربية ما كان لها أن تشهد فكراً واجتهادات ونضجاً لتيارات واتجاهات متنوعة ومتباينة، لم يقوَ التشدّدُ على دحرها وطمرها، وكان الأساسي بينها هو حركات التنوير وإعلاء شأن العقل والحكمة والكلام.لقد كان تاريخاً من التصارع والجدل، وكان سعياً دائماً من طرفين مختلفين؛ إما لفرض الإرادات ووجهات النظر المتشددة، أو لتطوير مساحة عمل العقل والاجتهاد والحرية. لا يمكن حالياً النظر إلى الفكر الإسلامي بحذف وقائع ونتائج هذا الحراك الفكري والسياسي طيلة قرون. الفكر الإسلامي هو مثل أي فكر ينمو ويتقدم في جوانب ويتراجع أو يتوقف في جوانب أخرى، وتتدخل في هذا النمو أو التوقف عوامل كثيرة، أبرزها السياسة. في المسيحية حصل الكثيرُ مثل هذا، وإلا ما كان للفكر المسيحي أن يصل إلى ما وصل إليه لو أن قساوسةً ورهباناً ومفكرين استسلموا لقناعةٍ تماثل قناعة أصحابنا المعاصرين وتركوا الدين المسيحي بأيدي التشدّد الكنسي الذي أغرق أوربا في قرون الظلمات.إننا نوهم أنفسنا، وقد نوهم معنا الآخرين، حين نصوّر لهم أن المسيحية هي هكذا كما جاءت، وإن الإسلام هو الآخر هكذا كما جاء. هذه القناعة تنسجم مع نمط تفكير التشدّد والتطرف الذي يرى أن فهمه وحده هو الإسلام الحق. إنها قناعة تساعد وتخدم بروباغاندا التطرف حتى وإن لم تقصد ذلك. اعتقد أن مسؤولية المسلمين، إسلاميين وغير إسلاميين، وجهودهم  الآن ينبغي أن تركّز على تحرير الإسلام من قبضة التطرف، وعلى تحريره من ثم من الصورة التي يُراد وضعُه، ووضعنا بعد ذلك جميعاً، فيها. يريد التطرف جعل حاضرنا كله تشددا وقتلا فيعمد إلى وضع الماضي كله بين قوسي التشدد والقتل.

2017-11-05 2017-11-05
F