جمهور حلب

wait... مشاهدةآخر تحديث : الأحد 5 نوفمبر 2017 - 8:28 صباحًا
جمهور حلب
سامر المشعل

ذهب موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في العام 1927 الى مدينة حلب ليحيي حفلا غنائيا، وكان حينها في مطلع حياته الفنية، فوجئ بعد صعوده على المسرح، أن الجمهور الذي حضر لسماعه لا يتجاوز الثلاثين نفراً، بينما القاعة تتسع لاكثر من ثلاثة آلاف شخص. صدم عبد الوهاب وانكسرت نفسيته.. هذه الحكاية جاءت على لسان موسيقار الاجيال نفسه، لحوار اجراه للاذاعة السورية، في تسجيل نادر.. يقول عبد الوهاب:”فشيت خلئي” بالغناء وبقيت اغني طول الليل، كان جميع المستمعين من كبار السن، اصغرهم لا يقل عمره عن الخمسين سنة. في اليوم التالي دهش عبد الوهاب، عندما وجد القاعة ممتلئة بالكامل، والواقفين أكثر من الجالسين!!.. راح وسأل متعهد الحفل: البارحة لم يحضر الا ثلاثين نفرا، اليوم الحاضرون أكثر من ثلاثة آلاف “ايه الحكاية”؟. فاوضح له متعهد الحفل، ان مجتمع حلب، عندما يأتي مطرب جديد، تستمع اليه مجموعة من اصحاب الذوق، الذين هم لديهم مستوى عال بالذوق وخبرة في تقييم الفن، يستمعون اليه اولا، وفي اليوم التالي يعطون رأيهم بذلك الفنان، فاذا وافقوا واقتنعوا ان ما يقدمه ذات قيمة وفن راقيين، كان رأيهم بمثابة اشارة مرور لجمهور حلب في سماع صوته، واذا لم يقتنعوا بفنه، يروح ذلك الفنان بداهية، حسب وصف محمد عبد الوهاب. هذه النخبة الطيبة من”ختياريت” مدينة حلب، يمثلون لجنة فحص الصوت، لحماية الذوق العام. كم كانت حلب رائعة في اجتراح تقاليد جمالية للحفاظ على مستوى تذوقها، وتقدير قيمة الفن. فالجمهور الواعي ممكن ان يسهم في بناء مجتمع معافى ثقافيا وفنيا وجماليا مثل ماكان عليه المجتمع الحلبي، وبذات الوقت ممكن ان يسهم في تخريب الذوق العام وتهديم القيم الجمالية ويعمل على تردي الثقافة، مثلما هو حاصل في مجتمعاتنا العربية الان. في الختام اتوجه بالشكر الى الناقد الموسيقي الرائع سعد الدين الاغا الذي حفزني للخوض في هذا الموضوع، وربما في وقفة اخرى سأسلط الضوء على جهود الأغا في استجلاء روعة وجمال الاغنية والموسيقى العربية.

2017-11-05 2017-11-05
admin