أول صالة سينما صحراوية

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 2 نوفمبر 2017 - 10:49 صباحًا
أول صالة سينما صحراوية
عــلــي شــايــع

في سجن صحراوي منقطع عن العالم، قرّر أحدهم فتح دار عرض سينمائية. وحتى يستقيم الاسم والمعنى ؛ لم يكن ثمة دار مشيدة!، بل خيمة  صغيرة لصق أخرى- بالطول- وبما يتسع لعشرين شخصاً تقريباً، مع مساحة كافية لعدّة العرض وأدواته، وهنا كانت المعضلة، فالحديث عن عارضة سينمائية سيبدو ضرباً من الخيال، أو كما يتحدث عاطل عن العمل حول فكرته لشراء مركبة فضائية، فالحياة هناك صعبة وغير متيسرة المطالب. كنا في معسكر للرجال فقط، لم نرَ طيراً أو امرأة ولا طفلاً لسنتين تقريباً، ونجمع ما يمنحوه من سكائر ومعلبات نبيعها لأجل شراء كتب أو صحف ومجلات، وفي ذلك الوقت برقت في ذهن أحد الأصدقاء فكرة، مع شرط مهم وأساس لتمامها؛ الكتمان، فهو سيوهم الجميع بوجود عارضة سينمائية حتى لا يتم سرقة الفكرة وسرّ المهنة، أما الحقيقة فستكون بشراء جهاز فيديو عن طريق أحد حراس المعسكر، مقابل مبلغ مضاعف. تعاونا بالأفكار لترتيب جهاز التلفزيون وتحويره ليصبح بشكل عارضة سينمائية، بطريقة العدسة المكبرة التي وضعت في زاوية صندوق كارتوني كبير ووضع التلفاز مقابلها، بشكل مقلوب، لتنعكس صورته على شاشة بيضاء في الخيمة التي تم تطينها من الخارج لتحقيق عدم تسرب الضوء، وغلق جميع المنافذ ما خلا نوافذ في أعلى الجوانب وفي الأسفل تسمح بمرور الهواء فقط. قال صاحبنا: الموضوع المادي، مقدور عليه، ولا يشغلكم، فقط أحتاج دعماً لوجستيا!، ومعنوياً لتسهيل المهمة، مقابل عروض سينمائية لأي فلم تطلبون وكان الدعم باختصار؛ تضخيم مستوى التضليل عن الفكرة الأصلية، وفي إظهار قوة حماية وحراسة للخيمة المتهالكة، من شرور السرّاق والمتطفلين. تم قطع ربع الخيمة الأخير لوضع الأجهزة وترتيب مكانها المعزول، مع الصندوق السري المخفي إذ لا تظهر منه للعيان سوى دائرة العدسة، وكان الحصول على عدسة مكبرة بقطر كبير أمراً مستحيلاً في المدن الصحراوية التي يتم التسوق منها. صحت وجدتها فظنوا إني أمزح حين أخبرتهم عن إمكانية تحويل الماء في قنينة زجاجية إلى عدسة مكبرة، ولم تكن الفكرة لي، لكني طالعتها في كتاب قديم، وبصعوبة توفرت قنينة زجاجية كبيرة للتجربة ومع تحويرات حققت البث باهتاً، حتى وصول العدسة، وربطت مكبرات صوت في الزوايا بشكل يوفر صوتاً يوازي صورة شاشة بعرض المتر والنصف. كانت العروض الأولى لأفلام القوة والقتال، وأفلام هندية طويلة، حتى فوجئنا ذات يوم بوجبة خاصة ومعتبرة من أفلام حائزة على جائزة الأوسكار، وبالفعل شاهدنا فيلم (صمت الحملان) بعد نيله الأوسكار بشهرين، وأفلاماً أخرى مهمة. لكن إخبارية سرية أودت بالمشروع لم تشفع معها تدخلات مسؤول الصليب الأحمر الدولي الذي قال هامساً: لا يوجد في السعودية صالة عرض سينمائي البتَّة، أنتم أول من أسس لها، وقانونهم يمكن أن يجرّمكم.

2017-11-02 2017-11-02
F