الصدفة المستحيلة في رواية «ظلال جسد، ضفاف الرغبة»

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 2 نوفمبر 2017 - 9:40 صباحًا
الصدفة المستحيلة في رواية «ظلال جسد، ضفاف الرغبة»

صالح الرزوق

أهم مبدأ تحكّم برواية سعد محمد رحيم (ظلال جسد، ضفاف الرغبة) الفائزة بكتارا عن فئة الروايات غير المنشورة والتي صدرت بطبعة أولى عن مدينة الثقافة، كتارا، في الدوحة عاصمة قطر، هو أسلوب لقاء وافتراق شخصياتها الأساسية بواسطة الصدفة المستحيلة. والشيء بالشيء يذكر. نادرا ما يلجأ الكاتب العربي لمثل هذا الأسلوب، وفي الذهن مثالان نادران عنه. الأول رواية (الشيء الآخر) لغسان كنفاني. والثاني قصة (قبل السهرة) لصدقي إسماعيل. في هذه النماذج يكون الرابط بين الشخصيات هو غير الرابط بين الأحداث، بمعنى أن العلة لا تفسر المعلول ولكنها تفاقم من غموضه. وهو أسلوب غربي انتقل إلينا من تقنيات الرواية الغربية التي اهتمت بألغاز وأسرار الإنسان الضائع في معمعة وجودية لا يمكنه أن يتفاهم معها.

لقد وقفت هذه الروايات عاجزة أمام استهتار الإنسان بالألم وأمام إصراره على تطهير أمراض الروح باللامبالاة وازدراء الواقع. ومن هذا الموقف تطورت نظرية وجودية جديدة تدين ظروف الحياة ولا تكتفي بمجرد الانخراط في خضمها دون مساءلة. وعليه كانت شخصيات هذه الرواية مركبة من عدة شخصيات جزئية، كل جزء منها هو إعادة تفسير لسبب من الأسباب. ولمزيد من التوضيح، أرى أن الشخصية الواحدة إشكالية وتتألف من عناصر تثبيت وإلغاء، بمعنى أنها بمقدار ما تضيء وتفسر إنها تفاقم من حالة الشك. وأهم ما يطاله الشك في الرواية هو بطلتها رواء العطار. هل هي فعلا شخصية حقيقية أم أنها إشاعة مثل كرة الثلج، كلما تدحرجت يكبر حجمها؟.

ماوراء الرواية لم يحاول سعد رحيم تقديم جواب على ذلك. وحتى أنه لم يرسم صورة أو بورتريها لرواء العطار. ولكنه استعمل ثلاثة أساليب اختص كل واحد منها بمستوى من شخصيتها. تماما كما فعل في روايات سابقة أهمها (مقتل بائع الكتب) و(ترنيمة امرأة، شفق البحر). وقد سمى ذلك في شهادته المنشورة بمجلة ضفاف بـ “ما وراء الرواية”. حيث أنه دائما ينوب عن البطل في كتابة الأحداث شخص من الثقاة. وهكذا تصبح الرواية عملا من عدة خطوط متلاحمة “بالتتابع والاستعادة والمتوازيات واللواحق” كما ورد في شهادته أيضا بالحرف الواحد، وذلك يسمح للرواة بتبادل الأدوار، ويُصبح الراوي مروياً له، والمروي له راوياً. وبغض النظر عن تفسير الكاتب لأسلوبه أثناء العمل، أرى أن لكل خيط من الحكاية أسلوبا وخطابا. الأسلوب الأول هو التعليقات المباشرة التي يسجلها الكاتب (الروائي الحقيقي سعد رحيم). ومع أن حجمها لا يتجاوز عشرة بالمائة من الرواية إلا أنها تقدم لنا محطة استراحة واستجمام، من خلالها تتوفر لنا الفرصة لإعادة النظر بركام المعلومات وفرز الغث من الثمين فيها، ما يفيد هدف الرواية وما يفسده، ما يقربنا من المعنى الفني للمضمون وما يبعدنا عنه. الثاني هو السرد المباشر للأحداث بلسان بطل الرواية. وهو شخصية متخيلة يعمل جهده لكشف ملابسات حياة واختفاء رواء العطار. ولا شك أنه يحتل أكبر مساحة من الرواية. وهو بدوره يعمل وفق محور أفقي نتابع من خلاله تحولات شخصية رواء العطار وتفرعاتها. ومحور عمودي يقدم لنا فيه تحصيل حاصل لأثر الفساد والسقوط الذي لحق ببغداد وتوسيع دائرة الخراب والعنف، وأثر ذلك على تفتيت لحمة المجتمع.

شخصيات مستقلة وأخيرا الأسلوب الثالث والذي يقترب جدا من تقنية الأصوات. ولكنه يأتي بشكل فصول تختص بها شخصيات مستقلة، كل منها يظهر ثم يختفي ليتحدث عن قصة حبه مع رواء العطار. كيف بدأت وكيف انتهت. ولا بد من الإشارة هنا الى أن رواء تحمل صفات كل شخصياته (الذكور والإناث). فهي من خلال خوضها في معركة ضد المجتمع، تدخل في رهان إعادة تعريف أخلاقنا وطبيعة الأفكار التي ننتمي إليها كمجتمع مهزوم. ويمكن الاستدلال على ذلك من قصة، هي واحدة من أفضل ما دبجه قلم سعد رحيم، وأعني بذلك (الهرب من الدهاليز القديمة)، التي تضمها آخر مجموعاته (صورة رجل). فبطل القصة الميت والذي يشك بحقيقة وجوده في هذه الحياة وطبيعة أو لغز معنى الموت والمفارقة اسمه (سعيد بن رشيد العطار). وإذا كان بطل هذه القصة يشك بأول بندين من اسمه: سعيد ، وينكره لأنه لم يكن سعيدا في أي يوم من حياته. وابن رشيد باعتبار أن والده في معظم الأوقات يتصرف بكثير من الحماقة والطيش، لم يضع الجزء الثالث (لقب عطار) على المحك. وتعامل معه بثقة وبتسليم غريب. وهذا يؤكد أن أطروحة (رواء) مثل أطروحة (سعيد). كلاهما يبحث عن مفر من سلاسل الماضي وقيوده. وأن بداية الطريق للخلاص مرهون بحجم الكوجيتو، أو مساحة المشكوك به من العناصر الثابتة في العقل وفي الواقع. وبهذا المعنى يقول سعيد:  في عيوني الدمع لذلك لا أرى جيدا. ثم يضيف: أعرف ولا أعرف. وبرأيي، الشك هو الاستراتيجية الوحيدة التي يقاوم بها أبطال سعد رحيم سقوطهم من شجرة المعرفة، وهم غالبا ما يعيشون في عالم برزخي، ويتصرفون كأن الواقع هو ظل لحقيقة لا ندركها تماما.  وتغلب على كل أعمال سعد رحيم مشكلة الواقع الافتراضي. فهو غير متأكد مما لا شك فيه. وبهذه الحيلة يضرب عصفورين بحجر واحد. يتخلى عن عالم الحدود ويفسح الطريق أمام تبديل السلبيات واستكمال النواقص بالإمكانية. أو بما اتفق الألسنيون على تسميته بالقوة. (بمفهوم النية وليس العمل الراديكالي). وتجد ما يثبت ذلك حتى في عناوين أقاصيصه، مثل: ربما في مكان آخر، الغجر إن يجيئوا ثانية، الجحيم ربما، إلخ… أكاديمي وناقد سوري

2017-11-02 2017-11-02
admin