“الوجهة كربلاء” دلالات رؤية أميركية لزيارة الأربعين

wait... مشاهدةآخر تحديث : الثلاثاء 31 أكتوبر 2017 - 10:47 صباحًا
“الوجهة كربلاء” دلالات رؤية أميركية لزيارة الأربعين
جواد علي كسار

على امتداد ثلاثمائة وخمسين صفحة يحشد كتاب «الوجهة كربلاء: رحلة المسير من إيران إلى العراق» معطيات معلوماتية تفصيلية يعزّ أن نعثر عليها مجتمعة في أيّ عمل إحصائي معرفي آخر. الكتاب باختصار هو جهد ميداني مسحيّ لأكبر تجمّع ديني ليس في العراق والعالم الإسلامي وحده، إنما في العالم كله هو زيارة أربعين الإمام الحسين عليه السلام. نهض بمسؤولية العمل ودعمه والإشراف عليه وتمويله مكتب البحوث في الجيش الأمريكي وجمعية كارنيغي، وكان في التنفيذ اليزابيث داكيسير ودرين نوكس بإشراف فوتيني كريستيا الأستاذة المحاضرة في كلية العلوم السياسية في معهد ما ساتشوستس للتكنولوجيا، التي حملت مسؤولية جمع البيانات اللازمة للمشروع. الهدف المباشر لهذا المشروع الأمريكي، استطلاع آراء الشيعة العراقيين والإيرانيين، حيال أبرز ما يشغل الإدارة الأمريكية في هذين البلدين وما يهمّ صنّاع القرار وبُناة الاستراتيجيات الكبرى في واشنطن. وحيث يتعذر على الأمريكي المعرفي والسياسي إجراء مثل هذه الدراسة الميدانية داخل إيران الآن، فقد اختار موسم زيارة الأربعين لسنة 1437هـ (2015م) للمسح وجمع المعلومات، مستفيداً من تدفق الزوّار الإيرانيين إلى العراق بأعداد كبيرة، لكي يحقق البرنامج الأمريكي هدفه المزدوج من خلال ساحة واحدة. وضع الفريق الأمريكي الأسئلة وأعدّ مستلزمات العمل، في حين نهض بالتنفيذ فريق عراقي من (51) باحثاً من جامعة الكوفة، فكانت الحصيلة كتاب ضخم مليء بالمعلومات والإحصاءات والمعطيات الرقمية صدر باللغة الإنكليزية أواخر سنة 2016، وقام المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية التابع للعتبة العباسية بترجمته إلى العربية وطبعه والتقديم له وتسجيل الملاحظات النقدية عليه، حيث صدر الكتاب للتو.

الهيكل العام الكتاب برمته عبارة عن خرائط استكشافية لمكوّنات عقل الإنسان المسلم الشيعي ومحتوياته النفسية ومزاجه ومدركاته الشعورية وميوله بالإضافة إلى أنماطه السلوكية. فهو يبدأ مع العينات المنتخبة من مصادر المعلومات وتنوّعها بين وسائل الإعلام والروابط الاجتماعية، ليُعطينا انطباعاً أن أكثر من 89% من العراقيين يحصلون على معلوماتهم من أجهزة التلفزة مقابل أكثر من 90% من الإيرانيين. ينتقل بعد ذلك إلى مسألة «الطائفية» ليضعنا أمام أسئلة مباشرة، منها: هل هناك توافق على الحوار السنّي الشيعي؟ هل يمكن لرجل سياسي من طائفة أخرى أن يمثل مصالحك؟ هل لديك أصدقاء من طائفة أخرى؟ هل يختلف تأويل مفهوم اللجوء إلى العنف بين السنّة والشيعة؟ ما نسبة السنّة الذين يدعمون تنظيم داعش؟ هل تجب محاكمة المتعاونين مع تنظيم داعش أو إعدامهم؟ بعد استعراض المعطيات الميدانية للإجابات عبر استخلاصها بنسب مئوية موزّعة على فئات العينة من العراقيين والإيرانيين وبتصنيف يستند إلى مستويات التعليم، ينتقل البحث إلى تحليل النتائج عبر ما أطلق عليه بـ«التحليل الموحد» قبل أن يزوّدنا بنتائج نهائية يختم بها حقل الطائفية. على المنوال ذاته يسير مع بقية الحقول المنتخبة، فينتقل من الطائفية إلى الدين ولستُ أدري لماذا قدّم الباحثون الطائفية على الدين مع أن السياق المنطقي يقتضي العكس، إذ المفروض أن الطائفية تتحرّك في نطاق الدين. بعد الطائفية والدين ينتقل البحث الميداني إلى مسألة التقليد، ومن بعدها قضايا الجنسين وشؤون المرأة، ومن ثمّ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ثمّ وضع الديمقراطية في كلّ من إيران والعراق، ليتمّ التحوّل إلى قضايا الصراع الإقليمي والجماعات التي تُشارك في الصراع، مع تأكيد بارز بأهمية الصراع في سوريا. والغريب الذي يثيره الفريق الأمريكي في هذه النقطة هو فتحه على نحوٍ مباشر وصريح لملفي قيام المنطقة السنية المستقلة والدولة الكردية المنفصلة، واستطلاع رأي العراقيين في ذلك، حيث جاءت حصيلة النتائج كما نقرأها نصاً في صفحة (265) بأن: «الأغلبية العظمى من المستطلعين العراقيين أيدت وحدة العراق»، وأن: «ما يزيد على ثمانين في المائة من العراقيين رفض تأييد إنشاء أيّ شكل من أشكال الحكم الذاتي أو الدولة الكردية، وهو ما يشكّل انعكاساً للدعم الكامل لديهم لبقاء الدولة العراقية على وضعها التنظيمي الحالي». وقد نحتاج للتذكير مجدّداً أن هذه المعطيات الإحصائية تعود إلى خريف سنة 2015م، وقد تمّ نشرها في أمريكا بالإنكليزية خريف سنة 2016م، وها هي اليوم بين أيدينا منشورة بالعربية في خريف سنة 2017م، حيث تأكدت مدلولاتها العملية على أرض الواقع فعلاً! بالعودة إلى سياق موضوعات الكتاب، نجده ينتقل من فقرة الصراع الإقليمي إلى عنوان جديد يلتقي في الحقل الإقليمي ذاته، هو إيران والملف النووي، لتأتي من بعده فقرة عن الموقف من الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي، هذه الفقرة تستطلع باصرار ملح وبمختلف صنوف الأسئلة وما تستبطنه، آراء الشيعة في العراق وإيران من أمريكا وخاصة حضورها في المنطقة، مع تركيز شديد على معرفة رأي هذين المكونين فيما إذا كانت أمريكا صادقة وعادلة في منظومة سياساتها داخل المنطقة أم لا؟ يغلق الكتاب ملفاته بملاحق ثلاثة يتكفل الأول قراءة البيانات العامة، ويسلط الثاني ضوءا بحشد ممل من الأرقام والإحصاءات والكشوف البيانية على العينات المختارة التي تمّ العمل عليها، ثمّ يختم الملحق الثالث بالتحليل الموحد واستخلاص الدلالات من تلك التفصيلات المغرقة بتشعبها، مما يمنحها القدرة على إشباع تطلعات أصحاب الدراسة لمعرفة المعلومات.

التقليد والمرجعية مشكلة هذا الكتاب هو الحشد المكثف للأرقام والإحصاءات والدلالات الميدانية، بحيث يصعب استعراضه لأنه ليس أفكاراً، بل ميدانيات تصوغ الأفكار وترسم لها وجهتها. من هنا لا مناص من الإطلاع عليه مباشرة. بيدَ أن ذلك لا يعفينا من المكوث عند حقل واحد من حقوله ينطوي على حساسية كبيرة بالنسبة إلى الوضع العراقي بل حتى الإيراني، أقصد به التقليد والمرجعية. تستند الدراسة إلى كتاب مترجم للإنكليزية لمفسّر القرآن الكريم السيد محمد حسين الطباطبائي (ت: 1981م) في تعريف الاجتهاد وعودة غير المجتهد إلى المجتهد كأساس للتقليد. ثمّ تزودنا بمسردٍ للمراجع الذين يعود إليهم المسلم الشيعي العراقي في التقليد، وهم (مع حفظ الألقاب) بحسب الاستقصاء البياني لمقلديهم: السيد السيستاني، السيد محمد صادق الصدر، الشيخ محمد اليعقوبي، السيد صادق الشيرازي، السيد علي الخامنئي، السيد محمد سعيد الحكيم، الشيخ بشير النجفي، السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد إسحاق الفياض. أما في إيران وبحسب نسبة المقلدين أيضاً، ومع حفظ الألقاب مجدّداً، فهم: السيد علي خامنئي، الشيخ ناصر مكارم شيرازي، السيد علي السيستاني، السيد روح الله الخميني، السيد صادق الشيرازي، الشيخ حسين نوري الهمداني، السيد موسى شبيري الزنجاني، الشيخ يوسف صانعي، الشيخ لطف الله الصافي الكلبيكاني، السيد محمد كاظم شريعتمداري، السيد محمد العلوي الفرغني، الشيخ أسد الله بيات، السيد محمد صادق الروحاني، الشيخ محمد العراقي، الشيخ حسين علي منتظري.

القرار والمال لكن أعتقد أن هذا السلم البياني لحجوم مراجع التقليد وقواعدهم الشعبية ليس هو المهمّ في هذا الحقل من الدراسة، بل الأهمّ هما منطلقان اثنان انعطفت إليه من بين مجموعة دلالات ونتائج. المنعطف الأول هو حجم الأخماس والأموال الشرعية التي تصل لكلّ واحد من هذه المرجعيات على حدٍ سواء في العراق وإيران. فقد سجّلت الدراسة أن 46 % من العراقيين يدفعون الأموال الشرعية للسيد السيستاني و4 % للسيد الصدر. في حين يدفع 22% من الإيرانيين فقط الحقوق الشرعية إلى السيد الخامنئي، في مقابل 11 % للسيد السيستاني و9 % للسيد الشيرازي، علماً بأن مقلدي السيد السيستاني في العراق 80 % وفي إيران 15 %، بينما بلغت النسبة المئوية لمقلدي السيد الخامنئي في إيران 60 % في مقابل 20% للسيد الشيرازي و15% للسيد السيستاني كما ذكرنا، لتكون حصة بقية المراجع الكرام 5 % فقط بحسب استطلاعات الكتاب وإحصاءاته الميدانية. المنعطف الثاني الأهمّ برأيي في بحث التقليد والمرجعية، هي الأسئلة التي ترتبط بمدى حاجة الإنسان الذي يقلد بالعودة إلى رسالة المرجع، ولاسيّما السؤال الذي يستطلع رأي العراقي والإيراني معاً بمدى أهليته أو حريته أو إمكانيته في اتخاذ القرارات المناسبة في الشأن الديني والسياسي العام، من دون الحاجة إلى الاعتماد على المرجع ورؤيته للأمور، إذ أحسب أن هذا الاتجاه في التفكير عند الأمريكان والغربيين بشكل عام، وإن لم يكن جديداً بالنسبة إلى العراق وإيران خاصة والعالم الإسلامي عامة، إلا أن مراكز القرار الأمريكي راحت تركز عليه لاسيّما بعد التغيير وبروز التأثير الطاغي لمرجعية النجف في الحياة السياسية للعراق الجديد، ولاسيّما في المنعطفات الحاسمة ككتابة الدستور والانتخابات الوطنية وأخيراً فتوى الجهاد الكفائي. في المقابل لا أظنّ أن هذه الدراسة كانت معنية بتأثير المراجع على قرارات الشأن العام في إيران، ما دامت تعرف جيداً لوازم نظرية ولاية الفقيه، خاصة بعد أن تحوّلت في إيران إلى واقع دستوري مقنن، إنما المهمّ بالنسبة لها هو العراق ومدى تأثير مرجعية النجف الأشرف بشأنه السياسي العام. كم كان بودي أن أقف عند دلالات الأرقام في حقل الاجتهاد والمرجعية، وكذلك الفقرة التي جاءت من قبلها تحت عنوان «الدين» مضافاً إلى التفريعات بالأخص هذه المحاور الأربعة التي توارت خلف الأسئلة التالية: 1ـ ما هي علاقة الدين والسياسة؟ 2ـ هل تتعارض الديمقراطية كنظام حكم مع الإسلام؟ 3ـ هل تعدّ الفتاوى السياسية التي يصدرها المرجع ملزمة بحق المقلدين مثلما هي الفتاوى الدينية؟ 4ـ إلى أي مدى يعدّ دور المرجع مهماً في التأثير على الحوادث السياسية في العراق؟ بيدَ أن طول المقال وضيق المكان المخصّص وكثافة المعطيات المعلوماتية، جعلني أكتفي بهذه الإشارة، راجياً أشدّ الرجاء أهمية أن يعود القارئ والمهتمّ وأصحاب الشأن الاجتماعي والسياسي والديني في بلدنا إلى أرقام الدراسة ومعطياتها، وتمعّن النتائج التي خلصت إليها.

ملاحظات الختام لديّ على الدراسة ملاحظات واسعة سأكتفي منها بما يلي: 1ـ في الكتاب مقدّمة مهمة لفريق البحث تتضمن سرداً لتاريخ المسلمين في الاتجاهين الأساسيين الشيعي والسنّي، من المهمّ الإطلاع عليها ونقد ما فيها. 2ـ تعطينا مقدّمة الفريق البحثي مسرداً بمصادر غربية مارست دراسة التشيّع بالمنهج الاستبياني بالأخصّ خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، حري بنا أن نطّلع عليها ونترجم المهمّ منها. 3ـ ينطوي الكتاب على تقديم رائع يضع بين أيدينا مباشرة هدف الدراسة وبواعثها، ويلخص معطياتها على نحو مكثف، والأهمّ من ذلك يوجه لها النقد الضروري، اضطلع بها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية الذي ترجم الكتاب ونشر الدراسة تحت عنوان: سلسلة الاستشراق السياسي الحديث. 4ـ لم تكن زيارة الأربعين سوى منصة انطلاق للبحث والكشف والمعرفة، ولا أهمية لها بذاتها عند المؤسّسة الأمريكية وفريق البحث المعني. 5ـ نحتاج إلى الكثير من الدراسات الميدانية بهذا الاتجاه يمكن أن تنهض بها الجامعات العراقية، والمؤسّسات المعرفية المعنية في العتبات المقدّسة لاسيّما في كربلاء والنجف، وكذلك مراكز البحوث في الوزارات، لتشتغل على معطيات ميدانية وإحصائية تقدّم حاجاتنا في هذه الزيارة، وتمنح أصحاب القرار السياسي معلومات هم بحاجة إليها، وتعطي للمؤسّسة الدينية رؤية رقمية، والوقت لا يزال قائماً والفرصة ممكنة للعمل وإصدار المزيد.

2017-10-31 2017-10-31
F