{مولانا} في الزمن الصعب

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 30 أكتوبر 2017 - 9:14 صباحًا
{مولانا} في الزمن الصعب

عصام عباس أمين يختار إبراهيم عيسى عنوانا من كلمة واحدة لروايته الجديدة {مولانا } ، ونحن نعرف أهمية ودلالة (العنوان عندما يكون كلمة واحدة، لا تقبل اللبس والاشتباه، لكن مولانا يصح أن يكون الولي الإمام وقد يكون كذلك مولى لأحدهم تحت رعايته وفي كنفه، فأي مولانا كان هو المقصود؟

قبل الخوض في تفكيك الرواية نود أن نبين بان الرائي اختار ان يكون موجودا خلف الأحداث وفي قلبها، فالرواية تبدأ بعبارة (كانت تضع البودرة على جبهته (، وهنا يأتي الصوت من الخارج، لكن هذا لا يمنع أن نجد تحليلا للعوالم الداخلية لشخصيات الرواية من الداخل سواء على مستوى المشاعر أو الأفكار أو الرغبات، فإبراهيم عيسى يكشف لنا في هذه الرواية عن مقدرة كبيرة في معرفة النفس البشرية، عند الفرح، الحزن، الغضب، الضعف، أو التعبد تقربا إلى الله خوفا، أو عشقا أو طمعا أو نفاقا… فهو يعرض ويفسر التحولات الكبيرة التي تحصل في لحظات داخل النفس البشرية، والتي طالما حيرت الأنبياء والفلاسفة والعلماء وما تزال. تكتسب هذه الرواية قيمة مضافة لأنها تأتي في وقت نعيش فيه نحن وسط جو يغلب عليه طابع الصراع الديني الدموي، وأعمال إرهابية تقتل وتفجر وتنحر الناس قربة إلى الله، مع تقسيم صارم للناس على أساس الانتماء المذهبي والطائفي والديني. فبطل الرواية هو الداعية والعالم الإسلامي الشيخ حاتم الشناوي الذي تم اختياره وفق مواصفات محددة (شيخ شاشة وليس شيخ علم، شيخ درب نفسه على ان يطوي تحت إبطه ما قرأ وما عرف وما علم ولا يقول إلا ما يلبي رغبة الضوء الأحمر المنير في الكاميرا يأذن له بالكلام وينبئه أن صورته أمام الناس الآن…( ص 471 ومن خلال هذه الشخصية تم استدعاء الكثير من الأفكار والقضايا التي تثير لدى الجمهور اهتماما أوسع وسط صراعات مشتعلة تكون للكلمة فيها أحيانا فعل اخطر من الطلقة واخطر من قذيفة مدفع أو صاروخ، إلا ان ذلك لم يمنع شيخنا من طرح قضايا جريئة تتعلق بعضها بالحياة الخاصة للنبي محمد وتحديدا تلك المتعلقة بقصة زينب وزيد والتي ) لو كانت تجري في بيت من بيوتنا فنستر عليها شرعا وخلقا، لكن تجري في بيت النبي فتتحول إلى قرآنا نتعبد به في صلواتنا… هكذا طروحات وغيرها الكثير نجدها في أكثر من موضع، وكلها تسلط الضوء على قضايا تشغل بال الإنسان العربي المسلم وهو يعيش ويرى اختلاف كهنة الدين في تفسير كتاب الله، لكن شيخنا في الرواية اعتمد العقل وليس النقل في الفهم والتأويل، واعتمد البساطة في شرح الدين، وهو العالم (ان الشيوخ لو بسطوا الدين لن يأكلوا عيشا، فهم يعيشون على تعقيده…. ص131، أخيرا هو شيخ محترف قادر على تجويد القرآن وهو يفكر بالشاي أو القهوة لا بل إدارة عملية حسابية معقدة ومليئة بالأرقام، (وهذا الاحتراف المتمكن هو ما يشغله ويزعجه وينخر روحه حتى العظم.. ص 140). من المهم ملاحظة الطريقة التي كان يعامل بها الكاتب بطله الشيخ حاتم الشناوي فرغم انه كان شيخ الفضائيات الأبرز والأغلى أجرا، والمحبوب لدى جميع الكادر في الاستوديو، إلا انه كان ممزقا وخائبا في حياته الخاصة، فنراه محروما من ابنه الذي فقد ذاكرته ليتحول إلى مجرد ذكرى أو إشارة لعلاقة فاشلة تربطه مع زوجته (أميمة) فلم نجد لهذا الطفل أي حضور طيلة الرواية بل تم تغيبه عمدا من قبل الكاتب ، ثم نجد الزوجة تعترف بخيانتها له في لحظة ضعف كان هو غائبا عنها، وفي مواجهة الخيانة الزوجية ولغرض تبيان الموقف الشرعي منها، يستدعي (قصة هلال بن أمية حين دخل على النبي مجلسه وقال يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بإذني… ص 506) ولكن المفارقة هنا أن شيخنا لم يطلق ولم يقيم الحد، بل تقبل ما حصل بألم ممزوج بالشعور بالعار، فهو لم يتصرف كرجل دين، لم يتصرف كرجل شرقي، لم يتصرف كزوج غيور، ولم يكتف الكاتب بهذا النوع من الخيانة حتى يكملها بخيانة (نشوى) ، الفتاة التي أيقظت الحب في قلب شيخنا الجليل كومضة، لكن الخيبة الكبرى عندما يكتشف حاتم الشناوي إنها كانت عميلة لدى جهاز الأمن، مكلفة بواجب محدد، اختراق عالم الشناوي الخاص والخاص جدا، فشيخنا يبلع الطعم منذ أول لقاء مدبر، حتى وجد نفسه (في حضن شابة مرمية عليه في سريره، لأ وانتهى منها سريعا… ياللذكورة !..( ص 499. وهنا نستطيع ان نقول بأن الرواية نجحت في كشف جانب خفي من حياة الشيوخ وخاصة أصحاب الفتاوى والحضور الإعلامي على الفضائيات في المجتمعات البوليسية، فكل ما ينطق به احدهم هو محسوب بدقة ويحقق غايات معينة ويخدم أهدافا محددة، ليبقى المهم لديهم دائما وأبدا عدم تجاوز الخطوط الحمراء مهما كان النص واضحا ومهما كانت طبيعة الأسئلة (هو شيخ شاشة وليس شيخ علم ولا يقول إلا ما يلبي رغبة الضوء الأحمر المنير في الكاميرا يأذن له بالكلام وينبؤه أن صورته أمام الناس الآن… ص 471)، لا والأغرب والأسوأ ان الفعاليات التي تنظم على الفضائيات في البرامج الدينية تخضع لحسابات دقيقة أولها حفظ النظام والتقييد بالتعليمات الأمنية والثانية تحقيق اكبر ربح من خلال الإعلانات التجارية… تصوروا إعلان تجاري مع برنامج ديني  !الا يصلح هذا ليكون إيقونة للدين في العصر الجديد!!! رغم الشد الشديد والانجذاب الكبير للرواية منذ الصفحة الأولى كونها تناولت قضايا يومية عديدة باتت تثار في أي جلسة أو صفحة فيس بوك أو أي حوار لاثنين أو أكثر تتعلق اغلبها بالموقف الشرعي، إلا إن النهاية جاءت صادمة وباردة وغريبة…. وهنا ارتكب الروائي خطأ كبيرا، أساء إلى بنية الرواية الفكرية، فالنهاية جاءت على غرار القصص البوليسية وليس الرواية التي تتناول الفكر الديني في زمن صعب.

2017-10-30 2017-10-30
admin