خريف بغداد ربيعها

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 10:01 صباحًا
خريف بغداد ربيعها
عبد الزهرة زكي
الغيوم التي حاولت أن تتكاثف صباح الاثنين الماضي في سماء بغداد لم تكن كافية تماماً لتؤذن ببداية معقولة لخريف تأخر. لقد جرى الاعتياد على تثبيت صورة نمطية للخريف على أنه فصل مكفهر لا يوحي بالحياة قدر ما يقترب من حال الركود والسبات ولم أقل الموت. ذبول الخضرة في أوراق الشجر وجنوحها نحو الاصفرار قبل أن تتساقط لتظل الأغصان عارية هو ما يحيل إلى طغيان فكرة الموت التي تجعل من قدوم فصل كالخريف داعياً للانقباض ولتجهّم المشاعر والتحسب مما يعقب الخريف. هذه (المشاعر) إزاء الخريف تتبدى لي على أنها ليست بمشاعر حقيقية، ولا صلة لها بالواقع، وإنما هي تصوّرٌ مستعار من ثقافات أخرى يكون مقدمُ الخريف بالنسبة لها إيذانا بانطواء الصيف وحيويته هناك، في الغرب والبلدان الباردة الأخرى. فمن تلك الثقافات، وهي ثقافة مؤثرة فينا على أكثر من مستوى وليس بحدود الثقافة المناخية، تولّد الانطباع الزائف عن الخريف العراقي وحتى في بلدان عربية أخرى. في الثقافة واللغة العربيتين الكلاسيكيتين يحصل مثل هذا اللبس. لم يحفظ لنا تاريخ الشعر العربي، وهو ديوان العرب، كلاماً جديراً بالاعتبار عن الربيع، كما هو شأن ثقافات أخرى تعيش الربيع فعلاً. في فترة لاحقة كان الشعر الأندلسي حافلا بشعر كثير لشعراء وشاعرات صار الربيع وتجدد الحياة فيه والخضرة واعتدال الجو موضوعا أثيراً لهم. وكانت، في ثقافتنا المشرقية، تقابلهم تجارب شعرية محدودة عنيت بالربيع. يشار باهتمام دائما إلى قصيدة المتنبي عن (شعب بوان) حيث يرد ذكر الربيع في مستهلها:

مغاني الشعْب طيباً في المغاني بمنزلة الربيعِ من الزمان وهي مفارقة تؤكد داعي محدودية انشغال الشاعر العربي بالربيع ونهوض الانتباه إليه فجأة في المكان الآخر لدى أهم شعراء العربية، وبذكاء لماح لم يفت أبا الطيب إلا أن ينتبه ويشخص المشكلة بالقول: ولكن الفتى العربيَّ فيها غريب الوجه واليد واللسان. هي غربة عن المكان وعن طبيعة الانفعال بالربيع كما هو عليه الحال في هذا المكان الآخر غير الحار وغير الصحراوي. في المكان الغريب ينبثق شعورٌ غريب ومفاجئ بالربيع الذي لم يكن قد حظي باهتمام يمكن أن يُذكر في شعر ما قبل الإسلام. الشعر ينشغل بطبيعة انفعالات الإنسان الشاعر بالمكان والزمن الذي يكون فيه، ولهذا كان أحمد حسن الزيات قد نوّه في مقال له نشرته مجلة الرسالة بنيسان 1951 إلى أنه” إذا استثنيت من أشعار العرب في الربيع، شعر ابن الرومي في العراق، وشعر البحتري في الشام. وشعر ابن خفاجة في الأندلس، وجدت سائرها من هذا النمط المصري الذي تجد فيه الألفاظ المبهمة، ولا تجد فيه المعاني الملهمة، فأشعارهم في الربيع أشبه بأشعارهم في الغزل، أقلها نفسي صادق يصدر عن القلب وينقل عن الوجدان، وأكثرها حسي كاذب يصدر عن الحافظة وينقل عن الكتاب”. نعم، من الممكن أن يكون الأدب مولدا للأدب، ذلك حين تكون الكتابة بتأثير وبحافز من أدب سابق، لكن المشاعر، وهي المسؤولة عن طبيعة المكتوب تظل ذات طابع شخصي. وستكون المشكلة مضاعفة حين يفكر أديب بمشاعر أخرى هي غير  مشاعره الشخصية سواء إزاء ظاهرة طبيعية أو سواها، ويستسلم خاضعا لمشاعر من سبقوه فيتبناها أو يدعيها وينتحلها. واقعاً ليس لنا في العراق وبلدان الشرق الأخرى أية مشاعر سلبية عن طبيعة الخريف المكفهرة والمتكرسة لدى الغربيين ومواطني البلدان الباردة؛ الخريف بأشهره القصيرة بعد الصيف الساخن هو فصل لانتعاش الحياة وصفاء الطقس وبداية أخرى لتوثب الحيوية في الجسد البشري في أعقاب فصل من الخمول والركود الطويلين. يتكرم أحياناً الشتاء، كما في هذه الأعوام، فيتأخر، فيعطي من حصته الزمنية شيئاً للخريف الذي يطول ويمتد بأشهر أخرى لتكون أشهر اعتدال، متحررة من أضغاث الحر في صيف سابق ومن نكد البرد الجاف في شتاء آت. تمضي قناعتي ومشاعري إلى أننا نتمتع بربيعين، الخريف ربيع آخر، وأثناء عودتي، وأنا بصدد التفكير بهذا المقال وكتابته، وجدت أن عدداً من المظان القديمة تؤكد فعلا أن العرب القدماء يوزعون الربيع على موسمين، كل منهما أمده شهران، لكن تلك المظان تشير إلى جنب هذين الربيعين، للفصل الآخر الذي هو الخريف. فمع أن القاموسيين العرب القدماء يفرّقون بشكل واضح بين ربيعين لدى العرب؛ ربيع التقويم، (ربيع الأول وربيع الآخر)، وربيع الحياة والطبيعة، الربيع الفصل. لكن فصول السنة لدى قدمائنا هي ستة وليست بالأربعة كما هو حالنا الآن، ذلك أن الربيع ربيعان هما شهران فصيفٌ لشهرين وقيظ لشهرين وربيع بشهرين آخرين فشهرا خريف ثم شتاء بشهرين. بخلاف هذا أرى أن الخريف هو ربيع آخر؛ تسمية الخريف الدالة على الكبر والشيخوخة لا يدعمها من مظاهر الطبيعة سوى تساقط أوراق الشجر، بينما ينذر هذا الفصل المبهج بميلاد الشتاء فصل تنتظره الصحراء كثيراً ليبعث الحياة ويحيي الأمل فيها بالمطر الذي يحظى بأفضل التعبيرات البلاغية الايجابية في موروثنا الشعري القديم. ولعل بيت أبي تمام المشهور هو ذروة التغني بالمطر وسعادة الحياة الإنسانية به:

مطر يذوب الصحو منه وبعــده صحو يكاد من الغضارة يمطــــر وما أكثر ما تساءلت عن مدى جدية بدر شاكر السياب وهو يتساءل بقصيدته الأعظم (أنشودة المطر) : أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟ نظرة رومانسية أحسب أنها مستعارة ثقافيا، لا شعريا، من الغرب. صباح بغداد الاثنين الماضي هو واحد من بدايات تكررت وستظل تتكرر لخريف محاصر بين قيظ ساخن وشتاء قاس. لقد تأخر الخريف أكثر مما يجب. أزحت الستارة عن النافذة فكانت الشمسُ تتوارى خلف سحب شفافة، وحين فتحت النافذة كان الهواء أكثر اعتدالا ولطفاً مما كان عليه خلال الأيام والأسابيع الماضية، وكانت شجيرات البيت الظلية تعبّر بتفتحها المطمئن وببريقها اللاصف عن مسرّتها بطقس هو أقرب إلى ما تتوخاه من حياة بيئية تناسبها. الرؤية الأدبية والثقافية المتعسفة مع الخريف لا تعبر تماما عن مشاعر الناس؛ لست وحدي، كما أحسب، من يرى الخريف ربيعا آخر، أتوقع أن البغداديين، بشكل يكاد يكون عاماً، مع أيام الخريف على أنها ربيع آخر. لا أثر في حياتهم اليومية واتصالهم بالطبيعة وببيئتهم مما هو معروف عن طبائع الخريف سوى ريح يمكن أن تشتد حيناً وقد تأخذ عليها ما يتساقط من شجرات نفضية لا تدوم خضرتها وهي الأقل بين أشجار العراق دائمة الخضرة. أحمد حسن الزيات كان هو أيضاً يرى أن الخريف في مصر هو الربيع الحق. ويقدم تعليله لهذا بالقول:” إنَّ الرَّبيع الذي يزورُ الأَرْضَ في أبريل ومايو، لا يزور مصر إلا في أكتوبر ونوفمبر”، مضيفا أن” فأينما تُدر بصرك في حقول الذرة وقصب السكر والبرسيم، لا تجد إلا رياضا شجراء من شراب وحَب، ومروجا فيحاء من زهور وكلأ”. وفي العراق فإن السيدة بين الأشجار هي النخلة دائمة الخضرة، فيما أشجار الليمون التي تضارع النخل بكثافتها في الأحياء البغدادية هي أيضاً دائمة الخضرة وتجد في الخريف ربيعها الذي ينأى بها عن لهيب الشمس في نهارات الصيف القاتلة. لا مشكلة إذاً في هذا المجال (صفرة الموت في ورق الأشجار وذبولها وسقوطها) خصوصاً أن كثيراً من الأشجار الأخرى التي وضعت منذ عقود سابقة في شوارع بغداد ومتنزهاتها وحدائقها هي من الأشجار دائمة الخضرة، المثمرة منها وغير المثمرة. كان صباح الاثنين الماضي مفعما بروح الخريف الأقرب إلى جمال الربيع، وقد حصل هذا فيما كانت السياسة تصنع بذلك اليوم خريفا آخر لبغداد. المدينة التي تجعل من خريف الطبيعة موسماً لربيع آخر لا يصعب عليها أن تجعل من خريف السياسة مناسبة لاستنهاض الربيع والانطلاق في الحياة ومسرة العيش فيها.

2017-10-12 2017-10-12
admin