{هاي}.. بلدة المليون كتاب

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 8:43 صباحًا
{هاي}.. بلدة المليون كتاب

جيمس ويتكنز ترجمة: بهاء سلمان

تعد بلدة “هاي اون واي” (Hay on Wye) منطقة ريفية بريطانية قديمة الطراز للغاية، فمع خلفية ملؤها تلال خضراء تفترشها الأغنام على مسافات بعيدة، يؤدي طريق معبد متعرج ذو ممر واحد الى القرية الصغيرة بمنازلها الكوخية العتيقة الجذابة المبنية من الحجارة، تتقدمها حدائق صغيرة مشذبة باعتناء وورود متنوّعة موضوعة في أوان رائعة الزخرفة.

وتقع البلدة في مكان مميّز على الحدود الفاصلة بين انكلترا وويلز، وتشير علامة مرورية على جانب الطريق عندما يدخل المرء الى المنطقة عبارة بلغة محلية ترجمتها بالانكليزية: “مرحبا بكم في ويلز”، وتحتها توجد علامة أخرى: “مرحبا بكم في هاي اون واي: بلدة الكتب”.

كتب في كتب ويعود سبب وجود العلامة الأخرى لأن كل مبنى بحد ذاته في هذه البلدة الصغيرة، عدد السكان 1598 فردا فقط، يعد مكتبة لكتب مستعملة، فعدد المباني لا يتجاوز الخمسة والعشرين بالمجمل. ولمن يحب القراءة والمطالعة سيجد أسماء غريبة ومتنوّعة لهذه المكتبات، وسيجد مكاتب متخصصة بمواد محددة، ككتب الشعر والموسيقى والجريمة والتدمير، اضافة للخرائط. بعد هذا كله، بطبيعة الحال، هناك مكتبة “ريتشارد بوث” الضخمة، والتي يزعم كونها أكبر مكتبة في العالم التي تحوي كتبا مستعملة. اضافة لهذا، هناك أماكن أخرى تحوي الكتب، ففي أي شارع من المحتمل للواحد منا السير فيه، سيصادف ممرا تصطف فيه رفوف الكتب، كما توجد رفوف خارجية مفتوحة للهواء الطلق (من يدري ما سيحصل لها عندما تمطر السماء) عند المدخل المؤدي الى قلعة متداعية تقع على أعلى التلة الموجودة في وسط البلدة؛ أما بعض الأماكن الحاوية للكتب، فهي مجرد أكواخ صغيرة مخفية بين الزوايا. أغلب المباني التي ليست مكتبات في البلدة هي عبارة عن مقاه وحانات وصالات تقدم المثلجات؛ وهناك أيضا بعض أصحاب المحال التجارية الحاذقين الذين يسعون الى بيع أقمشة محلية الصنع، أو ملابس تتناسب مع الأجواء الخارجية، أو التحف العتيقة الطراز، رغم أن العديد من تلك المحال ما تزال تحوي رفوفا لبعض من الكتب القديمة على واجهاتها فقط للاسهام في حالة الولع الشديد لاقتناء الكتب.

الجنون فنون بدأ كل هذا الهوس بالكتب عندما شرع “ريتشارد بوث” الغريب الأطوار بافتتاح محال لبيع الكتب في العام 1962، ولم يتوقف أبدا. ومع كتب تم جمعها من مكتبات كان يجري تصفية أعمالها حول العالم، قام هذا الرجل بافتتاح أكثر من 30 متجرا للكتب في البلدة. الآن، بوث يبلغ من العمر 78 سنة، ويمتلك متجرا واحدا فقط، اسمه “ملك هاي”. هذا الأسم لا يعد استعارة مجازية، ففي العام 1977، وبعد شراء القلعة، نادى بوث مدعيا أن بلدة هاي اون واي قد اصبحت مملكة مستقلة، ونصّب نفسه ملكا عليها. نجحت هذه الدعاية المثيرة والجريئة، حيث اكتسبت البلدة شهرة دولية بكونها بلدة كتب، وتتفاخر باعتزاز حاليا لاقامتها مهرجانا سنويا للكتاب، الذي وصفه ذات مرة الرئيس الأميركي الأسبق “بيل كلينتون” كونه “وودستوك العقل” (وودستوك بلدة صغيرة في نيويورك اشتهرت باقامة مهرجانات موسيقية ضخمة صيفا- المترجم)، ويجذب هذا المهرجان عشرات الآلاف من الزوار سنويا. تكمن متعة بلدة هاي في تصفح قائمتها الانتقائية اللامتناهية، فغالبا ما تم ترتيب الكتب بدون نظام منطقي، بالتالي فمن حسن حظ المرء ايجاد أي عنوان محدد يسعى اليه. وتوجد هناك جمالية في هذه الفوضى، والرفوف الخشبية المصرصرة تحوي الكثير من الملاحظات المكتوبة يدويا باقية عليها. قمت بمتابعة أحد الرفوف الحاوية لمجلدات قديمة ثقيلة الوزن تم حفظها داخل حافظات جلدية، تعود لستينيات القرن الثامن عشر، حسبما أخبرني به عامل المتجر، “لكن لا تدع هذا الأمر يعيقك من التقاطها وتصفحها!”. بنفس الوقت، في مكتبة “بوز بوكس”، وهي أول متجر للكتب في البلدة، يقول مالك المتجر “بيتر هاريس” بكل تواضع، “ليس لدينا أي شيء يعد قديما على وجه الخصوص في هذه اللحظة، فقط ما تبقى من مرحلة القرن الثامن عشر!”، وكنت حينها أشعر بالاعجاب لرف كامل يحوي الاصدار الأول لمؤلفات الروائي الشهير تشارلز ديكنز.

تراجع مخيف “للأسف، أغلق الكثير من متاجر الكتب أبوابها في السنين الأخيرة،” كما يقول “ستيف” من “الشهرة العالمية”، وهي متجر الكتب السينمائية لبلدة هاي. ووصل الأمر بهاريس الى القاء اللوم على “التحوّل نحو تقنية الانترنت”، وهو يتحسر على المتاجرة بمكتبة ريتشارد بوث، حيث يمتلكها الآن شخص أميركي، وتحوي خزاناتها من الكتب الجديدة على ما يقارب ثلث اجمالي الكتب، وهي النسبة الأعلى في النزاع بين الكتب القديمة والجديدة ببلدة هاي. وفي ما يبدو أنه يشابه خيانة لأصالة القرية، يتم حاليا وضع الكتب الأقدم عمرا بشكل معقول خلف الواجهات الزجاجية، مع ممرات واسعة ومضاءة بشكل جيد، كما يوجد أيضا مقهى داخل المتجر. غير أن بقية البلدة ما تزال منغلقة داخل مرحلة زمنية انتهت منذ أمد بعيد، فبعض أصحاب المتاجر يرتدون ملابسا تتلاءم مع العصر الذي تعود اليه بعض النسخ التي يبيعونها. كما يتناول المحليون شرابهم في حانة يطلق عليها “ايزيس”، ولا يبدو أنهم يدركون انها لم تعد الأسم المناسب لمكان ناعم لطيف يقدم حساء مصنوعا يدويا وبطاطا مخبوزة وكعك الفاكهة؛ فالأهالي لا يقبلون بالتغيير مطلقا، فبلدة هاي لا تغيير على الأطلاق. مجلة اوزي الاعلامية

2017-10-12 2017-10-12
F