السياسة ولعبة الرهانات

wait... مشاهدةآخر تحديث : الأربعاء 4 أكتوبر 2017 - 8:11 صباحًا
السياسة ولعبة الرهانات
علي حسن الفواز

ليس بالضرورة أنْ تكون رهانات السياسة شبيهةً برهانات الواقع، ولا حتى تشابه حسابات البيدر السياسي مع حسابات الحقل الواقعي، فكلّ من هذه المعطيات المتقاطعة واقع آخر، ومرجعيات تختلف  في كلّ شيء إلّا في المصالح، فمايحدث في العراق من صراعات تُحرّكها أجندات دولية وإقليمية، و(أوهام داخلية) يكشف لنا عن خطورة ذلك التعاطي غير العقلاني مع تلك الرهانات، وسعي تلك الأجندات لتأزيم الواقع السياسي، والعمل على صناعة أزمات جديدة للاستمرار في خلخلة السلم الأهلي في العراق، وفي تعويق أي نيّة حقيقية لبناء مشروع حقيقي للدولة. الارهاب لم يأت من شقوق الأرض، ولا صناعة الجماعات الارهابية ودعمها وتمويلها جاء بعيدا عن خارج ارادة القوى الكبرى- دوليا واقليميا- فهذه القوى تحاول دائما فرض سياساتها على الآخرين، بدءا من سياسة الحرب، وليس انتهاء بسياسة تغويل الصراع الطائفي، ولعل استمرار هذه السياسات العشوائية، ورغم التدخلات العلنية لما يسمى بـ(التحالف الدولي) يؤكد وجود تلك النوايا، واصرار  أصحابها على سياسة تخريب(الحقل والبيدر) لكي يظل الجميع متورطين في المتاهة. معطيات مايجري تكشف- بالمقابل- عن خطورة تداعيات هذا الصراع، مثلما تكشف عن ضرورة أنْ تدرك (دول المنطقة) حجم مايهددها من أزمات مستقبلية، لاسيما تلك التي تتعلق بوحدتها وسيادتها ومعيشها المجتمعي المشترك، فما حدث في ليبيا ومايحدث في سوريا والعراق واليمن ليس بعيدا عن سياسات تلك القوى، وبقطع النظر عن الفشل الذي أصاب مخططاتها ومؤامراتها، إلّا أنّها مازالت رغم ذلك تصرّ على هذه الخيارات، وعلى رهان تعطيل الارادات الوطنية، أو بالمعنى الدقيق  اخضاع المنطقة جيوسياسيا وثرواتيا الى الهيمنة الأميركية، وقطع الطريق على أي خيار لاصطناع حربٍ باردة أخرى (لاخاسر فيها ولا رابح) بأتجاه خيار الربح الكامل، وتوريط الجميع، بما فيها روسيا بحربٍ ساخنة من خلال منعها من الوصول الى(المياه الدافئة) في المتوسط وفي الخليج كما تقول أدبيات السياسة.

العراق بين المتاهة والاستفتاء ثمة من ينظر لاستفتاء الانفصال في اقليم كردستان بأنه نتيجة للفشل السياسي الرسمي، ولعدم قدرة الفرقاء السياسيين على ايجاد تطبيقات واقعية لـ(الديمقراطية التوافقية) التي تورطت فيها العملية السياسية العراقية، لكن حسابات الواقع تقول- أيضا- عكس هذا، فالاستفتاء اجراء سياسي تقف خلفه ارادات، واجندات ونوايا، ولعل ماواجهه هذا الاستفتاء من ردود فعل داخلية واقليمية ودولية لم تكن متوقعة، تسبب في إحراج تلك الارادات، وتعطّيل تنفيذ سياساتها القائمة على فرض الأمر الواقع، وهو مايعني أنّ الجميع سيذهبون الى المتاهة أو ربما الى ما( لاتحمد عقباه). كما قالت المرجعية الدينية، لأنّ الحكومة الاتحادية تنطلق من حقٍ دستوري، ومن حقٍ سيادي في اتخاذ اجراءات ضامنة لوحدة العراق، بالمقابل فإن(سلطة الاقليم) تنظر للأمر من زاوية مصالحها، وحساباتها، وتوهمها بضعف الحكومة، وانشغالها بالحرب ضد الإرهاب، وبدعمٍ سري أو علني من هذه  الدولة أو تلك. الذهاب الى المتاهة ليس خيارا عقلانيا، كما أنّ الذهاب الى العنف قد يكون خيارا صعبا، لكن التحالف العراقي التركي الايراني سيكون عامل ضغط حقيقي لمواجهة  تداعيات اجراء الاستفتاء، وتقليل فرص  استثماره لأغراض سياسية بعيدة المدى، فضلا عن أنّ اجراءات الحكومة الاتحادية ستكون عامل ضغط حقيقي لإحداث(صحوة سياسية) تقوم على تعزيز الهوية الاتحادية للدولة ولسيطرتها على الثروات والمنافذ الحدودية وعلى كلّ مايتعلق بالسيادة الوطنية، مثلما ستكون سببا في خسائر كبيرة سيتعرض لها الاقليم(شبه المستقل). وربما حرمانه من كثير من الامتيازات السياسية والاقتصادية والأمنية التي كان يحظى بها سابقا، وهذا سيحدث بدعم دولي واقليمي وحتى داخلي، لاسيما  بعد أنْ أدرك كثيرون أنّ خطوة الاستفتاء كانت غير محسوبة النتائج، وأنها ستضرّ بالجميع، وستفتح مجالا لصراع سيطال دول المنطقة.

2017-10-04 2017-10-04
F