قصيدة النثر العراقية في ملتقاها الثالث بالبصرة

wait... مشاهدةآخر تحديث : الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 - 12:28 مساءً
قصيدة النثر العراقية في ملتقاها الثالث بالبصرة

ابتهال بليبل يُعد ملتقى قصيدة النثر الثالث الذي اقيم في البصرة مؤخراً من أبرز التجارب التي سلطت الاضواء على قصيدة النثر لتخرج بتصورات كثيرة لطبيعة وتوجه قصيدة النثر في عراق 2017. وقد توصل الشعراء الى طرح أفكارهم ورؤيتهم من خلال القصائد المشاركة في الملتقى، بينما سعى النقاد الى فهم الحركة النثرية الحالية لكي يفهم توجهها بهدف تكوين رؤية مناسبة لتأثر قصيدة النثر بهذا الوقت ومهمتها في التأثير. وقد صيغت بعض الاستنتاجات في جلسات نقدية عقدت ضمن فعاليات الملتقى على القصائد المشاركة تحديداً والتي تعد من التوجهات الجديدة لإدارة اتحاد ادباء البصرة بل في جميع المحافل الثقافية الكبيرة والمهرجانات بالبلاد. الجلسات النقدية للقصائد المشاركة كانت اول محاولة قام بها اتحاد البصرة لتفسير المرحلة الشعرية  لمستويات القصيدة النثرية  المعاصرة. ولأن الأدب عموماً امتداد للأحداث وينبثق منها أصلا، نتساءل عن مدى تأثر قصيدة النثر بالعنف المرافق لحياتنا؟

الوعي الثقافي والشعري يقول الناقد علي فواز المشارك بالجلسات النقدية الخاصة بملتقى قصيدة النثر الثالث بالبصرة ، إنّ ” قصيدة النثر شكلٌ فنيٌ له قصيدته وأسئلته، كما هي ممارسة ثقافية تعكس وعيا عميقا بالتحولات الحادثة في تاريخ القصيدة العربية، مثلما هي تمثّل تعبيريا للتمرد على هيمنة النمط الشعري التقليدي، فضلا عن كونها تعبيرا عن التفاعل مع الاشكال الادبية المهاجرة، والتي تحوّلت الى غوايات ومؤثرات انعكست كثيرا على الوعي الثقافي، والشعري منه بشكل خاص..” وبقطع النظر عن طبيعة ماتمثله قصيدة النثر من خطاب أدبي، يرى فواز في خصوصيتها لا يعني عزلها عن الحياة، ولا عن الوعي بضرورة أنْ يكون الشاعر حاضرا ومتأثرا بكلِّ مايحوطه، وأنّ شعريته ليست بعيدة عن الحراك الانساني. إذن، إنه يصف الشاعر كائنا رائيا، وفاعلا اجتماعيا له مبادراته في صياغة كثير من الأسئلة التي تخصّ المعنى والوجود والمعرفة، كما أنّ (نثرية الشعر) لاتعني تعطيل القصيدة عن أيّ وظيفة جمالية وتعبيرية. والسبب بوجهة نظر الناقد علي أن الرأي الذي طرحته سوزان برنارد حول كونية قصيدة النثر لم يعد له أساس نقدي، بل إنّ جوهر قصيدة النثر يقوم على أساس وعي الشاعر بوجوده،وبرؤيته الخاصة لهذا الوجود، ولفاعلية اللغة بوصفها ذات وظيفة انسانية وجمالية. ثم يضيف “ما يعيشه العراق اليوم من تحديات ثقافية كبرى تمسّ وجوده يستدعي بالضرورة مسؤوليات حقيقية للشاعر، لتبني ماهو انساني وقيمي، لاسيما ما يعمّق مسؤوليته في الدفاع عن تلك المسؤوليات، وفي أنْ يكون الشاعر قادرا على التأثير، والتغيير، وعلى وعي الحرية بوصفها الأفق الأكثر سعة لمواجهة القبح الذي يصنعه الارهابيون في عصبويتهم وعنفهم وكراهيتهم للحياة التي يحلم الشعراء دائما بتجميلها”.

استجابة هاجسية اكثر منها نبرية وقد نستطيع، وبسهولة، أنّ نرصد العنف الذي يكتنف حياتنا، من قصيدة النثر وانفتاحها على الاحداث المختلفة، وانعكاسات المجتمع على ذات الشاعر، بدعوى أنها قصيدة متفاعلة وليست منعزلة، إذ تظهر الحدث مهما كان غموضه وكأن له علاقة مع الذات. وشكلت قصيدة النقد للناقد زهير الجبوري الذي كان من المشاركين في ملتقى قصيدة النثر الثالث، في المرحلة الراهنة تحولا كبيرا في ميدان التلقي، لأنها باختصار ساهمت بتجديد الذائقة الثقافية لدى الآخر. ومن ذلك يستنتج الناقد أنّ الآخر مؤثر بشكل كبير في عملية خلق الذائقة التي تتماهى والمرحلة التي شهدت اضطرابا اجتماعيا وسياسيا وفكريا ونفسيا. وبعد الاستشهاد بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية والفكرية والنفسية لا ينسى الجبوري أن يركز على استجابة قصيدة النثر لفضاءات الميديا، بوصفها استجابة لكسر الايقاع المتراتب في كافة الصعد، استجابة لكسر نسق اللغة . من ناحية أخرى، إن تفرد قصيدة النثر بكسر الايقاع وتميزها بجديد الطرح والتصوير قاد الجبوري إلى أن يرى في كسر الثابت والسائد ما يفسر أنها من الفنون الكتابية التي تتماهى مع اللغة الشعرية من جانب، وتغادر مستوياتها البلاغية والصرفية، لتعبر الى فضاء العولمة بوصفها جزءا لا يتجزأ من حالات ما بعد الحداثة (واعني هنا التطورات السريعة الحالية) من جانب آخر. إذن، كيف كانت المقاربات النقدية للجبوري مع تعدد المراكز وكسر رتابة النظرية بالمفهوم التفكيكي ؟. يقول “جاءت قصيدة النثر بإيقاعها الداخلي لتبرهن عن حضورها وتحديها لكافة الاشكال الشعرية، الأمر الذي جعل المثقف العربي او العراقي ينظر لها بانفرادية واضحة ويقيم لها الملتقيات والجلسات الخاصة، بل اخذ الشاعر العربي (ومنه العراقي) أن يجعلها النموذج والهوية والعلامة الكبيرة في تجديداته، وهذا ما اقتربت به ـ اي القصيدة ـ في معالجة كافة الازمات التي يعشها واقع الشاعر، فالحروب والاضطرابات والأزمات،اعطت لونا جديدا للشعر والشاعر في طرح ما يريده بانسيابية مستساغة مع المرحلة التي يعيشها العالم، فالاستجابة لها، هي استجابة هاجسية اكثر منها نبرية، فكانت بحق البديل المناسب عن الاشكال الأخرى”.

قصيدة النثر العراقية وتمثلات الواقع لوهلة، يخيل إليك وكأن قصيدة النثر محاكاة، للواقع ووصف تداعياته بهدف الوصول لذات المتلقي بما تتضمنه من شعرية وفنية.. والحق، إن التركيز على رأي الناقد علي سعدون، المرتبط بالمنجز الذي يميز قصيدة النثر العراقية للسنوات السابقة، ليدهشه، اهتمام الناقد ان يضع في حساباته مرحلة التأسيس والانبثاق، ومن ثم مرحلة وقوفها على عتبات الانجازات المتعددة والمختلفة، تلك الانجازات التي جعلت منها قصيدة مهمة وذات قدرة على تحقيق الحضور الثقافي وشيوع تأثيرها على مجمل الفعاليات الشعرية منذ نهاية السبعينيات. ولا تزال وتيرتها في تصاعد بعد ان ترسّخ مفهومها وصار اداؤها ناضجا. وسيجد المتتبع لها كما يقول سعدون ، إنها عملت على تمثيل حقيقي للحياة العراقية من خلال خطاب يعتمد المعنى العميق ويتوخى التعالق مع ادق تفاصيل الحياة ويستثمر جراء ذلك الحرية الممنوحة لهذا النص بعد ان تخلص من البلاغيات والزخارف اللفظية واعتمد الشعر خالصا من كل العناصر الخارجية التي حددته على مدى قرون بنظام صارم. ويضيف “عليه فليس من الغريب ان نجد حضورا لهذه القصيدة في كشف الانساق القبيحة التي يتستر وراءها العنف والإرهاب في تجربة هي الاكثر وضوحا وقوة في التصدي لكل موجبات القبح والظلام الذي يحيط بحياتنا”. هذا يعني ان قصيدة النثر عند الناقد الذي كان مشاركاً أيضا بجلسات ملتقى قصيدة النثر الثالث بالبصرة ، من اكثر انماط الكتابة الشعرية تجسيدا لصورة الانسان، فضلا عن رصدها للتحولات الهائلة التي تحاصره وتعبث بحياته، وسيجد المتابع لقصيدة النثر العراقية انها تنشغل اليوم بالأزمات التاريخية التي يمر بها العراق، كأزمة الإرهاب والعنف المسلح وأزمة الهوية وتداعياتها التي تبدأ ولا تنتهي. ويشير إلى أنّه سوف لن تطالع نصوص قصيدة النثر اليوم، الا وهي تلبس ثياب اولادنا المقاتلين هناك في المناطق الساخنة بسبب تعالقها مع الحياة كما اسلفنا. يتبين لنا، انطلاقا من بعض النقاد المشاركين من ملتقى قصيدة النثر الثالث في البصرة ، أن قصيدة النثر العراقية تتعلق بالحياة الواقعية المعاصرة وتحاكيه ذاتية شعرية وفنية.

2017-09-26 2017-09-26
admin