استقراء جديد لملحمة كلكامش

wait... مشاهدةآخر تحديث : السبت 12 أغسطس 2017 - 9:53 صباحًا
استقراء جديد لملحمة كلكامش

شكيب كاظم لقد شغف الأستاذ طه باقر (1984-1912) حباً بآثار العراق القديمة، ولقد خَصَّ الملحمة الرافدانية العريقة باهتمامه فترجمها إلى العربية. ولعل من عجائب الحياة والأشياء، ان لا يعرف اسم هذه الملحمة فضلاً عن اسم كاتبها، لذا أطلق بعضهم عليها اسم (هو الذي رأى) مما دنا وما نأى، ترى اَلَمْ تأخذ المعلقات العربية أسماءها من البيت الأول فيها؟! وسيراً على هذا المنوال، فقد أطلق على كاتبها اسم: هو الذي كتب. وبودي أن أقف عند مثابات شاخصة في هذا النص الملحمي، توصلت إليها من خلال استقرائي له, لأقف عند حقائق قد تكون غُفّلاً عند بعضهم. أولاً: وجدتُ أن الحاكم العراقي القديم، لم يكن ليبرم اتفاقاً أو يشن حرباً، إلا بعد أخذ مشورة مجلس النواب، وان المجلس هذا مؤلف من مجلسين الأول (الشيوخ) ويطلق عليهم (الشيب) والثاني (المحاربون) مما يؤكد أن فكرة الشورى الديمقراطية، عراقية الأصل وليست يونانية، كما تعارف عليه الباحثون. فإذ أزمع كلكامش، وصديقه أنكيدو ذهاباً إلى غابة الأرز لمقاتلة حارسها (خمبابا) فإنه يعرض الأمر على مجلس الشيب كما يأخذ رأيهم إزاء التهديدات التي أطلقها حاكم (كيش) ضد مملكة أوروك.ثانياً: فكرة تسليط الكوارث على البشر لتقليل أعدادهم التي قالها (توماس مالتوس)، لقد اكتشفت جذر هذه النظرية لدى العراقي الرافديني، إذ يرد قولهُ: ولو إنك بدلاً من إحداثك الطوفان سلًطت السِباع على الناس فقللت عددهم أو سلطت الذئاب. ولو أن {إيرا» فتك بالناس؟ و{إيرا» إله الوباء والطاعون. ثالثاً: تشير الأساطير العربية، إلى أن روح الإنسان كالطائر تغادر جسد الميت ولذا وصفوا من يموت من غير قتال أو جراح، أنه مات حتف أنفه، أي خرجت روحه من أنفه لأنها لم تجد منفذاً، كون الجسد سالماً، ولقد وقف صاحب ملحمة كلكامش ناعياً أنكيدو الذي مات حتف انفه قائلاً: يا صاحبي لقد حلّت بي اللعنة/ ما كنت أخشى القتال ولكنني سأموت ذليلاً حتف أنفي، فمن يسقط في القتال يا صديقي فإنه مبارك. رابعاً: ثمة اعتقاد سائد أن وضع الخاتم في بنصر يد الخاطب أو المخطوبة، أمرَ استعرناه من الغرب، في حين اكتشفت أنها ظاهرة عراقية قديمة ورد ذكرها على لسان كلكامش، وهو يحاول تخفيف وقع الرؤيا على أنكيدو وفيها إرهاصات موته: يا أنكيدو إن أمك ضبية، وأن يندبك من جلب إليك الزوجة والخاتم (أي حلقة الزواج). خامساً: شاعت في أوروبا العصر الوسيط، ظاهرة شاذة، حيث كان الحاكم يدخل على العروس، قبل دخول عروسها بها، ولكن مما يؤسف له أن هذه الخّلة المجافية لنواميس الأخلاق، قد مارسها ملك أوروك.تقول الملحمة: هذا كلكامش لم يترك عذراء طليقة لأمها ولا ابنة المقاتل، ولا خطيبة البطل. سادساً: تكاد كلمة (ماما) و(مامي) لمناداة الأم كلمة أممية وحدّت البشرية ولكني وجدت لها جذوراً في البابلية، التي جاءت بها إحدى نسخ الملحمة، إذ يرد فيها النص الآتي: وكذلك خاطب (أيا) أخته الآلهة قائلاً: كنا ندعوك في ما مضي (مامي) والآن ليكن اسمك (سيدة كل الآلهة). سابعاً: يكثر ورود الرقم سبعة ومضاعفاته في الكتب المقدسة، ولقد رأيت هذا الرقم يتكرر بصور ملفتة للنظر في هذه الملحمة ومنها. لبث أنكيدو يتصل بالبغي ستة أيام وسبع ليال، وشرب من الشراب القوي سبعة أقداح، وتم بناء السفينة في اليوم السابع، ولما حلَّ اليوم السابع أخرجتُ حمامةً وأطلقتها تطير، أوردت هذا على سبيل التمثيل المختصر لكن النصوص كثيرة جداً.  ثامناً – ظاهرة قطع الرؤوس والطواف بها ورفعها على الأماكن العالية كي يراها الناس، ظاهرة بشرية قديمة، فعندما ذهب كلكامش وصديقه أنكيدو لمقاتلة خمبابا حتى إذا سيطرا عليه، أبى أنكيدو إلا أن يقطع رأسه، ولعل هذا القطع كان سبباً في شبوب غضب الآلهة عليه، والتي أوقعته في الموت الذي افزع كلكامش ودفعه للبحث عن عشبة الخلود وإكسير الحياة التي سرقتها منه الحية في غفلة منه، تقول الملحمة من نص طويل فرّق قلب كلكامش وكاد يبقي عليه، قال لتابعه أنكيدو لندع الطائر الذي امسكنا به يعود إلى موضعه، فأجاب أنكيدو، وإن الطائر الذي أمسكنا به لو عاد إلى عشه، سوف لن ترجع أنت إلى مدينة أمك، فقال خواوا لانكيدو، لقد نطقت بالشر علي يا انكيدو، وحين تفوه هكذا بادراه وقطعا رقبته، وقدماها قربانا!

2017-08-12 2017-08-12
admin