القدس قضية فوق سياسية

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 17 يوليو 2017 - 2:58 مساءً
القدس قضية فوق سياسية
لن يذكر التاريخ قضية اُستُخدِمت، ولم تُخدم اكثر من القدس، منذ احتلال العصابات الصهيونية للأرض المقدسة فى 1948، والحركات السياسية فى العالمين العربى والإسلامى تضع القدس فى قلب خطابها السياسي، وترفعها شعاراً يملك من طاقة الاستقطاب والجاذبية للجماهير بكل مستوياتها ما لا يستطيعه شعارٌ آخر، فاتفقت النظم السياسية الحاكمة، ومعارضوها من الأحزاب القومية والإسلامية، السنية والشيعية؛ على رفع شعار القدس بغض النطر عن حقيقة برامجها وأهدافها ومقاصدها التى كانت بكل تأكيد بعيدة كل البعد عن القدس كما أثبتت حركة التاريخ على مدى ثلاثة أرباع القرن منذ احتلال فلسطين.القدس خدمت قضايا متعددة، وللأسف لم يخدمها أحد، سواء من النظم أو الأحزاب والجماعات بكل تياراتها وأصنافها وإيديولوجياتها، القدس كانت جواز مرور للنظم والأحزاب التى رفعت شعاراتها، وكانت أفيوناً مخدراً للشعوب والجماعات التى عارضت كل النظم والأحزاب، ساعدتها على التمكن من رقاب الجماهير واستنعاجهم لعقود طويلة، ومكنتهم كذلك من استحمار النخبة والمثقفين حتى لا يفقدوا حظوتهم عند الجماهير إذا عارضوا نظماً وأحزابا سياسية وجماعات دينية ترفع شعارات القدس وفلسطين. لقد كان شعار القدس الخنجر المسموم الذى قُتلت بهم الشعوب العربية والإسلامية على يد النظم القومية أو الدينية، والأحزاب الإسلامية سواء السنية أو الشيعية، وكانت القدس المادة الكيميائية التى أدخلت الأمة فى نوم عميق لعقود طويلة لم تفكر فى النهوض الحضاري، أو التقدم الاقتصادي، أو الرشادة السياسية؛ تأجيلا لكل ذلك لان الدول والجماعات والأحزاب منشغلون بتحرير القدس وإرجاع المقدسات، فقدت الكثير من الشعوب العربية والإسلامية فرص التنمية الحقيقية تحت تأثير مخدرات شعار تحرير القدس، وتسرب من بين أيدينا التاريخ، وتركنا المستقبل لنتغنى بشعار تحرير القدس، والحقيقة أننا أمة أبتليت بالانتهازية والنفاق، والمتاجرة بالدين والوطن والقومية من أجل مصالح ضيقة وطموحات شخصية وحزبية وطائفية ضئيلة. وقد أبدع الشاعر العراقى مظفر النواب – على الرغم من قسوة ألفاظه – فى وصف موقف العرب من قضية القدس فى قصيدته «القدس عروس عروبتكم».

أدرك القارئون للتاريخ أن القدس تمحو الخطايا، وشعارها يحقق أعلى درجة من تبييض الأفعال السياسية مثل تبييض الأموال الحرام، وكان أن استفاد من هذه الحقيقة حركات التوظيف السياسى للإسلام من السنة والشيعة، حيث رفع تنظيم الإخوان الفاشل هذا الشعار منذ حرب 1948، ومازال يرفعه فى جميع الدول دون أن يصدر منه فعل واحد ينصر قضية القدس بخلاف الأفعال اللغوية الماضى والحاضر دون رؤية للمستقبل، كانت القدس عند هذا التنظيم الانتهازى فرصة لمهاجمة نظم أكثر فشلا فى مجالات متعددة سياسية واقتصادية وإدارية، ولكن تنظيم الإخوان اختار شعار القدس لانه يفتقد الرؤية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وهو يعلم أن شعار القدس يحصد أصوات الجماهير فى أى انتخابات على أى مستوي، وينزع الشرعية عن الخصوم السياسيين.

وعلى الجانب الآخر كانت الحركات السياسية والأحزاب الشيعية من ثورة السيد الخومينى وحتى الحوثيين والحشد الشعبى؛ جميعها ترفع شعار القدس دون أن تقدم لها شيئا إلا تفجير الصراعات بين الفصائل الفلسطينية، جميعها تتاجر بالقدس لأهداف حزبية أو سياسية أو قومية وطائفية، لقد تعلم هؤلاء من ألد خصومهم، صلاح الدين الأيوبى على أهم دولة شيعية فى التاريخ وهى الدولة الفاطمية، ولولا أنه حرر القدس، وقدم فى عملية تحريرها نموذجا إنسانيا راقيا لكان فى موضع آخر على صفحات التاريخ تعلم هؤلاء أن القدس تمحو الخطايا فوظفوها لتمرير مشروعاتهم الطائفية والقومية والحزبية، ونجحوا فى كثير من المواقف فى جنى ثمار التوظيف، ولكنهم لم ينجحوا فى تحرير القدس مثلما فعل صلاح الدين. وفى مقابل العرب والمسلمين تتحرك دولة الكيان الغاصب، ومن ورائها منظمات عالمية عابرة للقارات، وشبكات مصالح ورجال أعمال تسعى بكل جهد، وبصبر وتخطيط بعيد المدى من أجل إحياء خرافة هيكل النبى سليمان عليه الصلاة والسلام، الذى لم يكن إلا واحداً من اساطير الحركة الصهيونية؛ التى وظفت الهيكل ليكون جاذبا لجماهير اليهود فى مختلف أنحاء العالم لينخرطوا فيها ويمنحوها التمويل والدعم السياسى لأنها تعيد إحياء مجد بنى إسرائيل الذى بلغ ذروته مع النبى سليمان عليه الصلاة والسلام. وهنا نشهد الفارق بين انتهازية الضعفاء الفاشلين، وانتهازية الذين يعملون بنظام وتخطيط بعيد المدى وتوحد حول هدف محدد للأسف نجحت الثانية وأوشك القدس أن يكون أثراً تاريخياً فى صفحات الكتب، وأوشكت خطة الصهيونية العالمية أن تنجح فى إحلال الهيكل الخرافى محل بيت المقدس، كل ذلك والعرب غافلون عن حقيقة القدس، على الرغم من حضورها فى خطاباتهم السياسية وشعاراتهم الحزبية، وراياتهم الطائفية، يستخدمونها، ولا يخدمونها، ولعل قناة الجزيرة وتابعتها دولة قطر خير مثال على إستراتيجيات التشتيت والإرباك فى كل ما يتعلق بالقدس، حيث القدس شعار يوظف لتغظية كل ممارسات الخيانة مع العدو الصهيوني، ويستخدم لتفتيت الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال دعم من يرفعون شعار القدس على الرغم من أنهم لا يختلفون فى التحليل الأخير عن الذين لا يفعلون مثلهم.

وحين يصل الأمر إلى إغلاق بيت المقدس، وانتهاك حرمته، وحين يصل الأمر إلى عملية تهويد منظمة للأرض والسكان من خلال المستوطنات وشراء الأراضي، وتغلغل العصابات الصهيونية، هنا ينبغى أن يتم التفكير فى اسلوب جديد للحفاظ على ما تبقى من القدس واسترداد ما ضاع، ولن يحدث هذا التأكيد من خلال شعارات المقاطعة التى لم تقاطع إلا الفلسطينيين، ولم تلحق الضرر إلا بالمقدسيين.

هنا لابد من الدعوة إلى تدفق العربي مسلمين ومسيحيين، والمسلمين من مختلف بقاع العالم الإسلامي إلى القدس، من أجل الصلاة في المسجد الأقصي وكنيسة القيامة، ومن أجل السياحة في المدينة المقدسة، ومن أجل الاستثمار في القدس ونواحيها، فمن خلال حركة الإنسان وفعاليات المجتمعات، يمكن إنجاز ما عجزت عن تحقيقه السياسة والدول.

2017-07-17 2017-07-17
admin