عن الحياة الحديثة.. جدا

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 17 يوليو 2017 - 2:52 مساءً
عن الحياة الحديثة.. جدا
فى سنة 1936، أى منذ نحو ثمانين عاما، أخرج شارلى شابلن، ذلك الفنان العبقري، فيلما صامتا اسمه «الحياة الحديثة»، وكان من بين أسباب شهرة الفيلم أنه كان من أوائل الأعمال الفنية التى تسخر من سطوة الآلة على الانسان، وتنبه إلى خطورة نمو الصناعة الحديثة على العلاقات الاجتماعية وعلى حرية الفرد.

كان من المناظر الشهيرة فى الفيلم «منظر ذلك العامل الضئيل الحجم، والضئيل الأهمية، إذ يأتى به صاحب المصنع ليجرب عليه اختراعا حديثا، الغرض منه أن يستمر العامل فى عمله حتى فى أثناء تناول الطعام. كان المنظر بالغ الطرافة وعميق المغزي، إذ يصور المفارقة الصارخة بين الآلة الفاقدة لأى ذكاء، والانسان الذى يحتاج لممارسة ذكائه الفطرى وهو فى سبيل اشباع حاجاته الأساسية.

ارتفعت اليد الميكانيكية لتضع قطعة اللحم فى فم العامل، ولكن يدا ميكانيكية أخرى أخطأت بأن بدأت تطعم العامل فى نفس الوقت قطعة من الحلوى المغطاة بالقشطة، فإذا بها تغطى وجهه كله وتذهب القشطة إلى الجبهة والعينين بدلا من الفم.

كانت مثل هذه السخرية فى محلها منذ ثمانين أو تسعين عاما، كما كانت تسمية الفيلم «الحياة الحديثة» ملائمة جدا، إذ كان عنصر أساسى من هذه الحياة الحديثة انتشار استخدام الآلة فى النشاط الاقتصادي، وما ينطوى هذا عليه من تهديد لإنسانية الفرد.. ولكن عندما يتذكر المرء هذا الفيلم الآن ويسأل نفسه عما إذا كان تهديد الآلة للحياة الانسانية مازال هو أكثر سمات الحديثة خطرا، يبدو أن الأرجح أن أشياء كثيرة أخرى قد حدثت، خلال الثمانية أو التسعة عقود الماضية، وقد تنطوى على أفكار أكبر.

فى ثلاثينيات القرن الماضى كان التليفزيون قد تم اختراعه، لكنه لم يكن قد انتشر استخدامه بعد وقد ظل التليفزيون مدة طويلة، حتى بعد انتشاره لا يعتمد اعتمادا كبيرا على الاعلانات فى توليد الدخل أو فى تمويل ما يقدمه من برامج. الأن أصبح من سمات حياتنا كثرة الاعلانات، سواء من خلال الشاشة الصغيرة أو فى الأماكن العامة والشوارع، وقد يرى كثيرون (وأنا منهم) أن كثرة الاعلانات والإلحاح على تسويق السلع قد يكون لها من الآثار التى لا تقل خطرا عن انتشار الآلة.

هناك أيضا ما يسمى «بثورة المعلومات والاتصالات، بما فى ذلك انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، إذ اصبح لوسائل الاتصال الحديثة سطوة تشبه سطوة الآلة، وأصبحت تعكر حياتنا مثلما فعلت الآلة من قبل، هناك بالطبع من يستنكر هذا القول، إذ يعتبر وسائل الاتصال الحديثة (ومن بينها وسائل التواصل الاجتماعي) مكسبا عظيما وعاملا من عوامل زيادة حرية الانسان، إذ أنها بما تسمح به من زيادة المعلومات توسع دائرة الاختيار المتاحة أمام الفرد.

أظن أن الخطأ الكامن هنا يشبه الخطأ الذى يرتكبه علماء الاقتصاد عندما يعرفون علمهم بأنه العلم الذى يبحث فى استخدام الموارد المحدودة المتاحة لإشباع حاجات الانسان غير المحدودة، ويعتبرون أن أى زيادة فى كمية الموارد المتاحة تحرز تقدما نحو تحقيق المزيد من الرفاهية للإنسان، ربما كان الأقرب للحقيقة أن حاجات الانسان هى محدودة بدورها، وأن اشباع بعضها كثيرا ما يكون على حساب التضحية بإشباع بعضها الآخر، نحن نصادف مثلا واضحا جدا على ذلك فى حالة الثرى الذى يزداد ثراء ولا تزداد رفاهيته نتيجة لذلك، اذا أن استخدام المال الاضافى يكون عادة بإحلال إشباع محل آخر وليس بتحقيق إشباع إضافي.

قدرة الانسان على الإفادة من تحصيل معلومات جديدة قد تكون شبيهة جدا بقدرته على تحقيق المزيد من الرفاهية عن طريق المزيد من المال، كلتا القدرتين محدودتان لأن الإنسان نفسه ذو قدرات محدودة مادية وعقليا ونفسيا فالتقدم فى إتجاه يكون عادة مقابل التأخر فى نواحى أخري.

أظن أن الإنسان قد أدرك خلال الثمانين عاما التى انقضت منذ ظهور فيلم شارلى شابلن أضرار انتشار استخدام الآلة فى حياتنا الحديثة، ولكنى أظن ايضا أنه يدرك بعد بدرجة كافية، خطر زيادة المعلومات وثورة الاتصالات على الرفاهية الإنسانية، يبدو أن لدينااستعدادا فطريا لأن نعتبر أى شئ أصبح ممكنا بعد أن كان مستحيلا من قبل، شيئا مرغوبا فيه، بينما الحقيقة كثيرا ما تكون غير ذلك إن ما يتيحه لنا البريد الاليكترونى مثلا من فرص جديدة للاتصال والمعرفة ليس بالضرورة عاملا على زيادة الرفاهية أو توسيع نطاق الحرية، بل قد يكون أثره أكبر فى الاتحاه المضاد، أى فى تضييق نطاق الحرية وتقليل در جة الرفاهية.

يبدو أن الانسان، وقد خُلق محدود القدرات لا يستطيع زيادة رفاهيته بالدرجة التى يتصورها، إن الإختلافات الجديدة، بمختلف أنواعها، قد تزيد وسائل المتعة،، ولكنها للأسف لا تستطيع أن تزيد من قدرة الإنسان، المحدودة بطبعها على زيادة التمتع بالحياة

2017-07-17 2017-07-17
ta