العاصفة تضرب الخليج

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 19 يونيو 2017 - 11:58 صباحًا
العاصفة تضرب الخليج
حــازم مــبــيــضــيــن

أخيراً وصلت العاصفة إلى الخليج، لتضرب بقوة في مشيخة قطر، ويتناثر رذاذها في إيران التي شهدت عمليات إرهابية هزت أمنها الداخلي، وهي القادرة على إدارة صراعات الشرق الأوسط، لكن مشكلتها اليوم بدأت في بيتها، بينما يعتبرها ترامب هدفاً يُجنّد العرب ضده. وخطواته وتغريداته المُنفلتة من كل عقال، تُشجع السعودية على زيادة الضغط على قطر. والرئيس التركي أردوغان قفز إلى المياه العكرة كعادته، مُعلناً تأييده لقطر واستعداده لإرسال قوات عسكرية للدفاع عنها، مُحطّماً بذلك التحالف السني مع السعودية، الذي يظنه البعض ضرورياً لمحاربة الراديكالية، سواء كانت سنية أو شيعية ايرانية. كان إعلان عدد من الدول قطع العلاقات مع مشيخة قطر، مفاجئاً لحدوثه بدون مقدمات أو خطوات تدريجية، وهو جاء بعد فترة وجيزة من زيارة ترامب للرياض، التي كان يُفترض أن تؤدي إلى تلاحم خليجي أكبر، وتوافق مع واشنطن حول القضايا الأمنية والسياسية. لكن نتائجها تمثلت بمزيد من التوتر الطائفي في البحرين، ثم إقدام السعودية على خطوة صارمة ومتعجرفة تؤكد نزعة نحو الاستبداد والتجبّر، والاعتقاد بأن القوة وحدها كفيلة بتقوية البلدان وتوفير النفوذ، لكنها ستؤدي حتماً لتصدع مجلس التعاون الخليجي. على المستوى التاريخي لعلاقات الدول الخليجية، احتلت السعودية مركز الخفوس القطري عام 1992، ومنذ ذلك الوقت لم تتحسن العلاقات إلاّ بشكل طفيف ومؤقت، وبرغم ما يبدو من تناغم بين الموقفين الإماراتي والسعودي، فإن الخلاف الحدودي بينهما قائم خصوصاً حول “حقل الشيبة النفطي”. كما أن الرياض مستاءة من توسع الدور الإماراتي في اليمن، حيث تسيطر على ميناء عدن بالكامل. وعلاقاتها مع عبد ربه منصور هادي ليست على ما يرام، فلا تسمح له بالتوجه إلى عدن إلاّ نادراً. وتبدو المواجهة بين الرياض وأبوظبي مؤجلة إلى ما بعد الفراغ من الخلاف مع قطر. أما حكومة البحرين فلا تملك من الأمر غير تنفيذ الأوامر السعودية، منذ أن استدعت القوات السعودية لحمايتها في 2011، وفقدت بذلك سيادتها كاملة. وهنا يبدو واضحاً أن القرار السعودي أحدث شرخاً عميقاً داخل مجلس التعاون الخليجي الذي فقد تماسكه الحقيقي بعد عشرة أعوام من إنشائه. مشاكل السعودية الحقيقية مع قطر تكمن في القضية الحدودية التي تم احتواؤها لاحقاً، وقناة “الجزيرة” التي تبنّت في الظاهر سياسة انفتاح شملت الحكومات العربية والمعارضات أيضاً. والأهم تبنّي الدوحة لموجات ما سمي الربيع العربي، لصالح تنظيم الإخوان المسلمين العابر للحدود الوطنية، ويعتبره البعض “شعب قطر”، وهنا يمكن حصر القضايا التي تمثل جوهر الغضب السعودي من قطر، بقناة الجزيرة، و تبنّي الدوحة سياسة خارجية تختلف عن السعودية، خصوصاً مع إيران. ثم علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين وحماس، وتمتين علاقتها بتركيا بعد الإطاحة بالرئيس الاخواني محمد مرسي، وتشكيل محور مواز للمحور السعودي. مشيخة قطر اليوم واقعة تحت الحصار. وانتقاد ترامب لها دفع المراقبين لاتهام واشنطن بالوقوف وراء الحملـة السعودية الإماراتية عليها، رغم أن ترامب دعا إلى تهدئة التوتر، بالتزامن مع دعوة مفتوحة للتوسط بين الدول الخليجية، في محادثات تجري في البيت الأبيض، وهي دعوة قبلها الأمير القطري بشرط رفع الحصار عن بلاده، ما دفع ترامب لدعوة السعودية والإمارات إلى تخفيف عزلة قطر، ودعوة الدوحة مجدداً إلى الكّف عن تمويل الإرهاب. غير أن الواضح أن الرياض وابو ظبي ليستا مستعدتين الآن لتخفيف الحصار وتقليص المقاطعة، بقدر ما تبدوان مصممتين على متابعتهما لغاية الوصول إلى اغراضهما، ومن أبرزها أن تُوقف الدوحة إيواء قادة الإخوان المسلمين وتطردهم، وتتوقف عن تمويل التنظيمات الإرهابية المرتبطة بها، وتغيير لهجة “الجزيرة” العدائية للرياض وحلفائها، والالتزام بمقررات قمم الرياض الأخيرة بحضور الرئيس الاميركي. والمهم هنا أن هدف إسقاط النظام القطري لم يعد وارداً، إمّا بسبب عدم الرغبة أو عدم القدرة، والنتيجة في الحالتين واحدة. قطر لا تقف مكتوفة اليدين، فقد عزّزت علاقاتها مع إيران، العدو اللدود للدول المقاطعة لها، وطلبت الحماية من تركيا التي سارعت لتلبية الطلب فقلبت الأدوار والتحالفات، حيث أن إيران وتركيا اللتين اعتُبرتا رأس حربة في تحالفين عدوين محتملين، أحدهما يمثل السنة والآخر الشيعة ظهرا في القضية القطرية في نفس الجانب، والظاهر ليس حُبّاً في قطر بل كُرهاً بالسعودية، فإيران تريد الانتقام من السعودية، لأنها تقف ضد طموحاتها بدور إقليمي يسند تطلعاتها التاريخية نحو الغرب. أما تركيا فالظاهر انها كانت تطمع باتفاقات تسلح ومشاريع كبيرة للشركات التركية لتعزيز اقتصادها، إلاّ أنها “خرجت من المولد بلا حُمّص”. والخطوة التركية غير المحسوبة بدقة، قد تؤدي إلى دعم محاصري قطر لحزب العمال الكردستاني في حربه المستمرة في تركيا، وهكذا تكون تركيا قد استدعت إمكانيات غير محدودة لمحاربتها، حيث ستكون الخاسر الأكبر، مع إحداث تغييرات دراماتكية في المنطقة، ستكون من حظ إيران والكرد في آن معاً. *كاتب أردني

2017-06-19 2017-06-19
MS