زهدي الداودي.. التمسك بالواقع والانفتاح على الحداثة

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 16 فبراير 2017 - 8:56 صباحًا
زهدي الداودي.. التمسك بالواقع والانفتاح على الحداثة

قاص وروائي عراقي، كتب بالعربية والالمانية ، هو جزء من تاريخ العراق الادبي والثقافي. اثرى المكتبة العراقية بـ 16 كتابا توزعت بين القصة والرواية  اربعة منها باللغة الالمانية . عاش الراحل مخاضات الهم العراقي الطويل فكانت عناوين مؤلفاته تشي بسمات تلك المراحل الصعبة نذكر منها : الاعصار، رجل في كل مكان ، الزنابق التي لا تموت، رحلة الى بابل القديمة، زمن الهروب، وداعا نينوى، فردوس قرية الاشباح.. ذاكرة مدينة منقرضة. في ذكرى اربعينيته استطلعت الصفحة الثقافية في جريدة “الصباح” آراء بعض مجايليه. الناقد والكاتب ياسين النصير استعاد ذكرى الراحل بثلاث صور اسماها “مجموعة صور مستعادة” فكتب.

الصورة الأولى شكلت الثقافة في مدينة كركوك مجموعات غير متجانسة من المثقفين ،بينهم الشاعر والروائي والمسرحي والسياسي ،ولكن حركة الشعر كانت الغالبة دائما، صوتها هو الأعلى على اصوات بقية الفنون، فتميزت جماعة كركوك بالشعر، دون الرواية والمسرحية والقصة، حداثة محاذية لتجارب مدن عراقية أخرى كالبصرة، التي شكلت نواة الحداثة: السياب،البريكان، سعدي يوسف، وآخرون، حركة لها مديات اجتماعية وفنية اغنى بكثير من أية حركة تجديدية حتى تلك التي نشأت في بيروت أو القاهرة أو سوريا ولبنان. البصرة وكركوك تمتلكان ارضية عمالية خصبة اضرابات “كاور باغي” وشركات نفط البصرة والميناء.. وميزة كركوك أنها انتجت الشعر والقصة والمسرح والرواية،على درجة من النضج نفسها لحركة الشعر. موقع زهدي الداودي ضمن تيار الحداثة عن طريق القصة والسياسة.. فنجده وجليل القيسي ومحيي الدين زنكة في الظل من اعلام الجماعة، لأن فنون السرد والحوار لم تكن بقوة االقصيدة الذي كان صوتها الأعلى لصناعة أعلام متميز، هكذا كان زهدي ضمن الجماعة وخارجها معا، لأنه احد الذين وازنوا بين الانتماء السياسي والإنتماء إلى الحداثة.

الصورة الثانية مترجما في المانيا، تلك الطاقة التي تولدها الحياة عند اتقان اللغة، ليس من أجل العيش، إنما من أجل مواصلة الإلتصاق بالثقافة وقراءة الأدب الألماني، ويوم استظافته مؤسسة أكد التي أديرها مع مجموعة من المثقفين العراقيين في هولندا، تحدث زهدي الداودي عن نفسه روائيا وسياسيا ومثقفا عضويا، لم يفقد بوصلة الإنتماء الوطني الذي يوظف الثقافة لتنمية قدرات الذات على المواجهة في الغرب الرأسمالي حين يجد المهاجر نفسه دائما في صراع مع الذات التي تمحى إذا لم تكن على قدرة من التماسك.. كان زهدي وهو يتحدث لجمهوره، يجيد فن الموازنة بين الاثنين:مثقف يتغذى باستمرار من جذورة الوطنية، ومثقف منفتح على ثقافة الآخر.

الصورة الثالثة زهدي في ذكرياته ، كلما التقيته صدفة في مؤتمر أو ندوة مشتركة، ينهض سجن الكوت من بين سجلات ذاكرته، ويعيد تشكيل المشهد من جديد، هنا كان يجلس نصير النهر، وهناك كان يجلس الشيوعي فلان، ويحاول أن يتذكر الاسم فيبتسم وتضيع سحنات وجهه الجميل في طيات السنين والسجون.فسجن الكوت الذي أعاد تشكيل ذاكرته وهو في مهاجر المدن والذاكرة واحدة من المحطات التي بقيت تثريه بالصور.. وحدها الذاكرة تشكل هوية لجسد يحمل معه حقيبة من الأدوية وكلمات متقطعة عن احداث مختلطة لايغيب عنها الحزب الشيوعي العراقي. فاعلية السخرية بحثت الناقدة د. نادية هناوي سعدون، في اسلوب وتقانة الداودي في الكتابة بعد ان اتخذ من السخرية ثيمة لتدعيم النهج الواقعي في كتابته، فكتبت تحت عنوان ” فاعلية السخرية في تدعيم الواقعية النقدية”: أورد الدكتور عبد الإله أحمد في إشارة عابرة لكنها مهمة أشادة مبكرة بأول مجموعة قصصية كتبها زهدي الداودي وهي( الإعصار) الصادرة عام 1962 وذلك في الجزء الثاني من كتابه     ( الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية) وعلى الرغم من كون هذه الإشادة كانت قد جاءت ضمنا على هامش يعالج قصة( المضخة) لمهدي عيسى الصقر مركزة على التوجه الواقعي فيها وصلتها بالحياة والمجتمع، وانها خالفت القصة الخمسينية التي امتازت بالمباشرة والتسجيلية منعطفة بالقصة العراقية انعطافة جديدة؛ الا إن المهم هو ما عرَّج عليه الدكتور أحمد في الهامش قائلا:” لم نجد الى جانب هذه القصة في نهجها الجديد عملا قصصيا آخر له قيمته يمكن أن يقرن بها. وقد يكون في بعض مجموعة (الاعصار) لزهدي الداودي ..شيء مما وجدناه في هذه القصة إلا إن الذي قلل من اهمية قصص هذه المجموعة كون كاتبها قاصا ناشئا لم يملك ادواته الفنية بعد ” ص74 ولقد ظل النهج الواقعي النقدي غالبا على منجز الداودي القصصي بمجموعتيه القصصيتين ورواياته الست متمكنا من ادائه بحذق وتميز وهو الباحث الذي نال شهادة الدكتوراه في فلسفة التاريخ والمترجم الذي ترجم للغة العربية عن الالمانية ما يقارب الثلاثة كتب وهو الاكاديمي الذي مارس التدريس في اكثر من جامعة عراقية وعربية واجنبية تاركا منجزا علميا لا يقل شأنا عن منجزه الابداعي الحافل بالتقدم والنجاح .ولعل أهم مميزات عطاء الداودي السردي هو استعمال السخرية كتقانة فنية اثيرة محاولا عبرها ربط التاريخ بالواقع جاعلا الزمان في صلة وثيقة بالمكان وبطريقة ديالكتيكية جدلية.. فضلا عن اشتغاله الناجح على مختلف الاشكال القصصية والتزامه فيها جميعا بالنهج الواقعي النقدي .. وأن رسالة الكاتب هي رسالة اجتماعية هدفها ايقاظ الوعي الجماهيري. يقظة النقد وكتب القاص والناقد جاسم عاصي تحت عنوان “أدب الداودي مرهون للزمن ويقظة النقد” : لا شك في أن الجزء الكبير من الأعمال الأدبية والفكرية يغيب عن التداول بسبب تأثير الاضطرابات السياسية التي تضفي بظِلالها على أسماء كبيرة في سوق التلقي . و(زهدي الداودي) واحد ممن غيّبهم الزمن عن المشهد. وهذه فاصلة أكدت ارتباطها بالزمن الذي حقق فعلاً فرصة قراءة بعض ما كتبه ( الداودي) في حقل السرد قصة ورواية . لقد امتاز أدب الكاتب بالبساطة في الطرح والعمق في الدلالة الاجتماعية والفلسفية،  شأنه شأن الكثير من أدب الكُرد على سبيل المثال. ونعني بالبساطة؛ الأسلوب واللغة، والأطروحات التي تنطلق من الواقع الاجتماعي الذي يدفع به من خلال دلالاته الكامنة في الأشياء ذاتها لغرض تحقيق دلالات أكبر . فعنده  تتمثل الظاهرة والشخصية بما تمتلكه من حس طبقي وفئوي، وبما يُظهره تاريخها الخاص والعام، يمكن الامساك به من أجل تعميق الدلالة. وفي هذا المجال الذي يستل النموذج من قاع الحياة، ومن سطحها عبر التمكّن من تعميق وجودها البنيوي داخل حاضرة النص ، وتوسيع ممارستها بتلقائية. ففي نصوصه تتوازن أطراف المعادلة في ما يخص وجود الشخصية في الواقع وفي واقع النص. هذا التوازن يؤكد القناعة في حيوية النماذج في كوّنها قادرة على البث والتعبير عن وجودها المادي والمعنوي، الطبقي والفئوي. إن خلق الشخصية في النص ليست من السهولة، بقدر ما ان الصعوبة تقود إلى تسهيل مهمة تحقيق الحيوية الفكرية ، سواء كان ذلك عبر مركزها الاجتماعي الشعبي، أو من منطلق موّقعها الوظيفي. إن الكاتب يصطف مع كبار الكتّاب في العالم بسبب تأثره بسيّر كتّاب كبار أثناء وجوده في المهجر، وبتأثير اندفاعه الذاتي التحليلي لما يطلّع عليه من آثار أدبية وفكرية على الصعيد العربي والعالمي . أعتقد أن الزمن سوف يكشف عن عمق ما كتب ( زهدي الداودي) وهذا مرهون أيضاً بسلطة النقد التي تُدير نظرها عن الكثير من الأعمال المهمة ، وعن سيّر الكتّاب ذوي الخصائص المهمة والفاعلة .

2017-02-16 2017-02-16