الهوية المطعونة في رواية «الرمل الأسود» لأسعد اللاميّ

wait... مشاهدةآخر تحديث : الثلاثاء 14 فبراير 2017 - 9:16 صباحًا
الهوية المطعونة في رواية «الرمل الأسود» لأسعد اللاميّ

أ.د.جاسم حسين الخالدي الرملُ الأسودُ، الروايةُ  الرابعة لأسعد اللاميِّ، بعد رواياته (نهايات الخريف.. بدايات الشتاء) و(وأونسام كامبل) و (شباك أمينة)، تحكي قصةَ (طفلٍ لقيط)، تربّى في حيٍّ للعبيد، في مدينة البصرة ، وظل يشعر بتغرب عن محيطه، فما استطاع أن يكون منهم؛لأنّ لونَ بشرتِه مختلفٌ عنهم، ولا أفلحَ في الخروجِ عن عوالمِهم؛ لأنَّه منذُ أنْ فتحَ عينَه، وجد نفسَه واحداً منهم، إذ تربّى في أحضان ابوين مفروضين،( ضايع) الذي أكلته الحرب، في ثمانينيات القرن الماضي، و(تقية) التي وجدت فيه تعويضا إلهيا؛ لما حرمت منه؛ فكانت حانية  عليه، كما لو أنه قد خرج من رحمها. باتت تلك الحادثةُ الإنسانيّة أزمةً حقيقيةً لم يستطع الفكاك منه؛ منذ أن وجده ( ضايع) ملفوفاً بقطعة قماش أمام بيته في (حيِّ العبيد)، في مجتمعٍ محافظٍ، يجدُ في ذلك عاراً لا حدود له. ومن هنا بدأت أزمته النفسية، التي أودت به إلى طبيب نفسي، لكن هذه الأزمة تزايد أثرها عليه؛إذ كان المجتمع البصريّ سبباً رئيساً لإيقاظها كلما بدتْ علامةٌ على خفوتِها. فهو لم يستطع أن يسمع أحداً من زملائه، أنْ يشير إليه بأنه خير مثل على الطفرة الوراثية” زميلنا نعيم، أمه وأبوه أسودان، وهو أبيض” ص172. فما كان أمامه إلا أن يضربه، ويهربُ من المدرسة، (حتى سوّت تقية الموضوع مع المدير) ص172؛ لأنه غمز لما هو أبعد. وحتى( تومان)، صاحب عربة النفط، جارهم القريب، فما إن يعود ويراه أمام بيتهم، يناديه بتهكمٍ” ها الأبيض، ابن ضايع، شلونك” ص97. هذا جزءٌ يسيرٌ مما يعانيه؛ فضلاً عن أزمته الداخلية التي شارك ( القدر) في صياغتها، حين جعل اسمَهُ ملازماً لـ( ضايع)، فكأنَّ هذا الاسمَ هو( منبه دائم) على ضياعه، وفقدان هويته التي بقيَ يبحث عنها على طول الرواية. وكأن الراوي أراد أنْ يبرئ ساحة مجتمعه في أن يكون سبباً رئيساً في أزمته؛ ففتحَ أمامه الحدودَ؛ ليسافرَ إلى ( تايلاند)، موفداً من دائرته، لكنه بقي يعاني الأزمة نفسها،لأن أزمته– ببساطة– تعني” عدم القدرة على تحديد الهوية”، فهو لم يستطع معرفة أبويه، على الرغم من مساعيه الحثيثة مع (تقية) التي يظنُّ انّها تعرفُ أمه، لكنه لم يجد ما يشفي قلبه، ويعود ليسأل عن أمِه فيأتي الجوابُ من (تقية)؛ أنّها” رحيمة كلبها رهيّف”ص133. لعلَّ النسق المضمر– هنا – أن الراوي يريد أن يعالج موضوعة ( الحرب العراقية الإيرانية) وتداعياتها على المجتمع العراقي عبر تسليط الأضواء على تلك الأرملة الشابة التي لم تُجر إلى الرذيلة، الا بسبب خسارتها زوجها في حرب لعينة، ولذلك فهو جعلها في النهاية تخرج مبرأة من الخطأ، بمساعدة ( نعيم) الذي لم يشأ أن يهب المجتمع (نعيما) آخرَ”. وهكذ تبدو تلك المواقف التي مارسها (نعيم) ما هي إلا جزء من أزمته الحقيقية، أزمة فقدان الانتماء وفشله” في تحديد هويته لأناه مع الشعور بالاغتراب، وعدم الجدية، وانعدام الهدف، مع عدم القدرة على التخطيط لأهداف مستقبلية والافتقار إلى العلاقات الاجتماعية الحقيقية.” فالتغرب الذي عاشه مع محيطه، وعدم قدرته- فرداً – على التعايش مع المجتمع، وفشل الأخير في أن يروض (نعيم)، يؤكد عقم المنظومة الإجتماعية في معالجة حالةٍ، مثل حالة ( نعيم)، وهو ما جعله في وقتٍ من الأوقاتِ أنْ يفكرَ بـ (الانتحار). وفشله هو الآخرُ في أنْ يكيّفَ نفسَهُ لما هو فيه، بعدما حظي بأمٍ مثل(تقية). لكنه بقيَ حبيسَ أزمتِه: أزمة البحث عن الهوية، فوجودُ الكُتبِ السماويّةِ في رفِّ مكتبتهِ، يستبطنُ نسقاً مضمراً، يعني فيما يعني غياب الهوية  وعدم تبعيته من جهة، وأنَّها جاءت كلُّها من أجل الإنسانِ نفسِه من جهة أخرى. وتكرر ذلك المشهد في مكان آخر حين جمعها مع كتب أخرى”. وان كنتُ ألمحُ نسقاً آخرَ أرادَ أن يشتغلَ عليه الراوي، وهو يعيش في منطقة محتدمة،بأنَّ هذه الأديان التي جمعَها رفُّ واحدٌ، يمكن أن تتعايش، طالما كان هدفُها الأوّلُ والأخيرُ هو سعادة الإنسان، وبناء الحياة. ولعل مجيء عدد من الخبراء من مختلف الأصقاع، وجعلهم في مكانٍ واحدٍ يتحاورون؛ لكنهم لا يختلفون، خير مصداق لتلك القراءة التأويلية، أو لذلك النسق المضمر الذي أراد أن يرسله الروائيُّ إلى قارئه.

2017-02-14T09:16:47+00:00
2017-02-14T09:16:47+00:00