عن شعر الحب.. لا الغزل

wait... مشاهدةآخر تحديث : الثلاثاء 24 يناير 2017 - 9:10 صباحًا
عن شعر الحب.. لا الغزل

ياسين طه حافظ/

أشرتُ هذا الموضوع يوماً وأنا اكتب عن سواه، لكني اليوم أريد أن أوضح أكثر، وأوصل أفكاري عنه لأصدقائي ممن يكتبون، ولمن جل كتاباتهم، عن الحبيبة أو المعشوقة أو التي يشتهون. وكما ترون أنا ذكرت ثلاثة نماذج أو ثلاث حالات من المحبة أو الاهتمام بالجمال أو الجسد والرغبة. لست أفضل من غيري لكي أنصح وأوجه ولكني أدركت أموراً صلتها بالثقافة وبموضوع الكتابة في هذا المدى العاطفي، فأردت أن أوصل لهم أفكاري أوانتباهاتي. يؤسفني القول بأن شعر الحب في الأدب العربي من الجاهلي إلى بقاياه في القرن الواحد والعشرين، من أسوأ شعر الحب، فهو كثيراً ما يلح على الجسد ونسبة توزيع اللحم فيه – وهذه بالنسبة لهم قيم جمالية.. وإذا استثنينا نماذج محدودة كأن يشير الشاعر إلى حزن وانكسار الزوجة وزوجها يغادر ليرتزق أو يغامر أو ألمها راثية باكية..وإذا استثنينا نماذج محدودة من الشعر الصوفي– وبعضاً من العذري لا كله، يبقى الشعر تشهياً ورغبات مباشرة في النيل أو تعبيراً عن الحرمان الجسدي. فهو جدب يريد ربأ، جوع يريد طعاماً، واغتلام يريد امرأة! ليس هذا عيباً في العيش والحياة اليومية ولكنه يصبح مؤسفاً في المجال الفكري والجمالي. كما أنه يشعرنا بنقص في الفهم الإنساني للأنموذج الذي نهتم به أو نحبه. هنا لا نستطيع التأكيد على “يهتم” أو على “يحب” قدر التأكيد على يشتهي فهو “يتغزل” أو “يتشبب” أو “يدعو…”. وحتى هذه الأحوال الثلاثة ليست موضع إدانة، فهي مما في الحياة، ولكنها موضوع إدانة ونحن نكتب أدباً أو نصنع فناً،هي على حساب “الجمالي” و”الإنساني”. هنا يفتقد الفن مرتكزاته بل ومعناه الأرقى أو الأبعد. في هذا قتل للدلالة وإغلاق للأفق. وبه يكون الشاعر قد حدد بنفسه مستواه الإبداعي. هو يكتب جميلاً، إذا كتب جميلاً، في العادي! هل هذه هي مهمة الفن؟ الفن يسعى للسمو والارتقاء بالثلاثة: الحبيبة والحبيب وشعره! وفيما ذكرناه هبوط بها وبه وبالفن الشعري. إن كان ذلك مرغوباً به ومطلوباً في أزمنة بدائية أو بدوية أو شعبية غير متحضرة، فهذا مؤسف في عصر ثقافي الشعر فيه جوهر الثقافة وليس ترفاً للتسلية وليس ملقاً لوصول. هو ضرورة لوجودنا الإنساني، يرسم نوعية الضوء ونحن نبني آمالنا في البقاء والتغيير. بعض الشعراء يتعاملون في شعرهم كما هو بديل “مبْلَغٍ” يُدفَع لمقابل.. في هذا فصل للشعر عن الثقافة. والثقافة مشاركة في عملية إنتاج وتعزيز أنظمة حياتية متقدمة، حلمية ومحسوسة، وبأساليب تتفوق بها الإنسانية على المُسَلَّم به وعلى القديم أو المألوف. الثقافة هي الوعي البشري ومنتجاته، وهي تعمل على خلاف الطبيعة. هي ليست ضد الطبيعة لكنها في مهمة الارتقاء بالإنسان والانتصار على مصدات واقعه. أيضاً، وللعلم، الثقافة تؤكد نفسها في المأكل والمشرب وطريقة الكلام ورؤية الناس والأشياء والتعامل معهما. لا تميُّز بالاعتيادي! الإحساس بالتميز والارتقاء يصحب القدرات على تحويل الموروث والمتوافر من المدركات إلى كشوفات إنسانية جديدة. بإيجاز أقول: يحوّل “الاجتماعي” إلى “ثقافي”! نعم، للحلم جماله، كذا للأمنية. هما أجمل ما نملك وأحلى سبيلين للوصول وللفهم شرطَ ان يدفع الحلم أرواحَنا بوعي جمالي، نحو الوعد. مؤسفٌ هذا الانتقاص من الشعر إذ نعده ترفاً أو لهواً.عندئذ نتخلى عن جوهر الحياة الذي هو جوهر الفن. دعوا الحلم، الحب سبيلين لرؤية الجمال الذي يضيع ولا ندري، الشعر طريق بالغ المتعة لجمال لم يكن من قبل! أنا حقاً أستغرب من “رجل” يتضوَّر برخص ودبق وهو يشيد بجمال، كل هذا والعالم بهذا المدى الواسع من العلاقات الإنسانية… حتى الراحل حسين مردان، بمكشوفه – كان يرتقي إلى الإنساني: تكاد تنتفض الجدران صارخة إذا تعرت: أهذا الجسم للدودِ؟ أسف ووجع على ضياع الجمال وغياب النماذج الإنسانية النادرة .أذكر حين هيأت مجموعتي الشعرية، “ما أراد أن يقول الحجر” وهي قصائد حب، شعرت بالحاجة لأن أكتب على الغلاف – تحت العنوان- قصائد حب! لأنها لا تبدو قصائد حب مما ألفه القارئ. فلا غزل، ولا عيون ولا جيد ولا أرداف ولا سيقان ممكورة ولا بلهنية ولا بقر وحشي ولا ظباء. هي كلام في الفهم الإنساني والتحولات الجمالية لأحوال الحبيبة ولما ترى وتحس وتهتم به وتألم منه. هنا حب واهتمامات مهذبة تتخاطف عليها أضواء قدسية، الحب حاضر والروحانية لا تغيب.. ليست هذه أنموذجاً ليُقتدَى ولكنها حال من الأحوال التي نتمناها، نشعر بأن الحب يمكن أن يتجاوز السماجات إلى الأفضل منها. الشعر جوهر الثقافة والثقافة مشاركة في عملية إنتاج وتعزيز أنظمة حياتية متقدمة وبأساليب تتفوق بها الإنسانية على المسلم به أو القديم أو المألوف. أما ربط المرأة بالطبيعي فهو ضمن ما يعني، الإقرار، ثقافياً، بديمومة الهيمنة للرجل وديمومة الخضوع للمرأة، الفن، كل الفن، لا يرى المرأة طبق طعام أو وسيلة أرضاء.. غلق الأفق الجمالي والمدى الإنساني يعينان سقوط الكتابة وسقوط الأدب!

صحيفة الصباح

2017-01-24 2017-01-24
M1