تاريخ الضباب

wait... مشاهدةآخر تحديث : الثلاثاء 24 يناير 2017 - 9:03 صباحًا
تاريخ الضباب

ميثم الحربي/

تُمثل سيرة الضباب ندا شرسا لسيرة العقل على مرّ العصور. وكلاهما يتبادلان معركةً حامية الوطيس؛من أجل الفوز بالاختراق. يحمل الضباب وندُّهُ العقل كثافة هائلة تتوزع على طرفي المواجهة. ينظر كلٌّ منهما إلى غريمه بوصفه رغوة شبيهة بقشدة الحليب. من هذه المعادلة يمكن أن نعكسَ صورة البلاد على مرآةٍ تُمثلها بناية مستشفى مجانين– أو مستشفى أمراض عقلية- حيث يستأنف العقل وجوده داخل مؤسسة الضباب القاسية. ومن وحي الوسوسة بالنجاة سيغطس العقل ويترك الكراهيةَ تعلو إلى ارتفاعٍ شاهق،وهي سبيله الوحيد لإحداث ثغرة الهرب من مخالب رغوة الضباب. وعلى هذا المنوال سيكون الضباب (سلطة) والعقل هو (الهامش). نصنع هذه المعادلة من خلال بناء مقارءة مع رواية (طيران فوق عش الواقواق) لمؤلفها (كين كيسي)؛ حيث الجنون هو مجرد كناية عن الواقع الاجتماعي،جنون حقيقي وكناية عن مجتمع الأصحاء الذين يعيشون الشروط نفسها، كأن الرواية تريد أن تقول الواقع الاجتماعي من خلال قراءته في هامشه: في مستشفى الأمراض العقلية، أو في السجون، أو في حياة المُهمّشين/ مقدمة الرواية.ص5.ونجد أن الخلفية المُعدّة للأمكنة من سجون، ومستشفى، وحياة مهمّشين إشارة بليغة تفيد بأنّ عوالم الفحص، والتفسير تجري في أشد الأماكن التي يكون فيها الإنسان عُريانا أو مكشوفا بحيث يمكننا من خلال وضوح العُري أن نرى ما نراه من مديات المخزون الداخلي للإنسان عندما يتعرّض إلى الاضطهاد. إنّ كناية الرواية تجعلُ مُجتمعَيْ الأصحاء والمرضى يعيشان بالتوازي،ويُجرّبان بعمق مشاعر الخوف، والحيرة. ولقد أنتج الضباب صورته في الواقع، وقام باحتلال أرض المتن، وراح يتحكّم بالمصائر، ويفرضُ دواءَهُ القسريّ في عنبر البلاد الكبير. وازاء هذا الصّلَف من قبل سُلطة الضباب المتكوّن من الخوف والحيرة تنبثق صورة نضاليةٌ هامشية يُمثلُ طرفيها كل من (ماكمورفي)و(الهندي الصامت ذو المكنسة).الأول يختار المواجهة بصيغة العلن، والثاني يختار المواجهة بصيغة الصمت. صورة ماكمورفي المعلنة تُجسّدُ ذلك النزوع إلى الشغَب، وإثارة البلبلة، وتكسير الصحون بوجه الضباب؛ ونفهم هذا النزوع لكون ماكمورفي قادما حديث العهد بتاريخ التعذيب داخل مستشفى المجانين، غير مطلع على تاريخ خوفها،وصراخ ضحاياها. كان يفكر فقط أنه وُجدَ في أتون كيانٍ عابس، واختار أن يبدأ حربه الضروس؛ من أجل تقويض سلطة المكان العابس، وأخيرا سيموت على سرير يملكه العابسون فيما تبقى عيون روحه ترنو إلى نافذة الخلاص. أما (برومدن الهندي الصامت ذو المكنسة) فإنه ضحية من الداخل، وشاهدٌ حي على تاريخ الإرعاب داخل مستشفى المجانين، وقد اختار أنْ يعكس علن ماكمورفي بالصمت، ويغزلَ فكرة الهرب على مهل، وعندما تحين الفرصة سيضعها في سلّة الريح. وجاء نزوع الهندي إلى الصمت لأنه جرّبَ أن يُشاغبَ في العلن واصطدم بآلام التعذيب الجسدي عاما بعد عام بنصال الصدمة الكهربائية. ويصف ماكمورفي ما فعلته به السلطة فقد أدخلوه إلى غرفة الصدمة الكهربائية من أجل إغراقه برغوة الضباب فـيقول: (هاهم يُشغلون آلة الضباب ثانية، وهاهي الآن تثلجُ فوق كل أجزاء جسمي بردا وبياضا شبيها بقشدة الحليب شديد الكثافة إلى حد أني أستطيع الاختباء فيه لولا أنهم يوثقونني بشدة !/ الرواية. 21).وقد كانت هذه الغرفة المشؤومة أشبه بجواز سفر إلى الهلع والضياع فالذي يخرج منها لا يكون سوى (كلب صيد أزرق ينبح في الضباب،راكضا بهلع وضياع لأنه لم يعد يبصر.لا توجد آثار أقدام على الأرض سوى تلك التي يُخلفها وهو يتشمّم في كل الاتجاهات بأنفه البارد المطاطي الأحمر فلا يلتقط رائحة ما سوى رائحة فزعه والفزع الذي يشتعل في داخله كالبخار/ الرواية. 22). ولقد كانت اللوحة الواصفة لعذاب غرفة الصدمة الكهربائية على يد مناضل العلن،وهي ليست بجديدة على مناضل الصمت فلديه في مملكة صمته الشاسعة ما هو أكثر بلاغة مما رأته الضحية القادمة من الخارج، وربما تكشف سنوات الصراخ الطويلة هذه الشيخوخة من الصمت العميق،لأن (الذي رأى كل شيء)، سيبتكر لنفسه ترنيمة تسرح به خارج الضباب الكثيف، وتعمق لديه الإمكانية بالصيغة التي سيحافظ من خلالها على حلم الهرب من الرجّات الكهربائية القاسية. وبمقابل تاريخ الضباب المليء بالخوف والحيرة فقد أنشأ الهندي الصامت تاريخا من الصمت. ففي الضباب على المرء أنْ يصغي جيدا ليتثبت من فضاء التربّص الذي تنتشر فيه ضباع الزيف، والخيانات، والأخذ على حين غرة. وبلا شك فإن البديل عن (دكان الصدمة) ستكون تلك الغرفة النهارية،أي: الحياة. حيث سيتحول الإنسان من جسد، وسرير، ومكنسة، إلى راية ورمز، وصرخة. ومن أجل بسالة هذا التحول أحدث الهندي الصامت ثغرة في ضباب السلطة الذي تمثله بناية مستشفى المجانين.وهذا يعني أنه يصوغ بداية جسورة لحكاية الفوز المذهل بالحرية. وهكذا تم دفع اللوح بهمة رفض الأعماق للعبودية ليرتطم بالستارة والنافذة مخلفا صوتَ انهيار عاتيا. تناثرَ الزجاج إلى الخارج في ضوء القمر كالماء البارد البراق الذي يُعمّدُ الأرض النائمة– وحينها – وضع الهندي الصامت يده على الإفريز ووثب وراء اللوح إلى ضوء القمر/ الرواية. ص328. وفي خضم هذا الزهو النفسي بالنجاة خلقت هذه الوثبة إلى الحرية أجنحة طاف بها الهندي فوق بناية مستشفى المجانين التي يلفها الضباب والصدمات الكهربائية قائلا: (ركضتُ عبر الباحة في الاتجاه الذي أخذه الكلب،ثم في اتجاه الطريق العام. أذكرُ أني كنتُ أركض بخطوات واسعة، أطوف وأخطو مسافاتٍ بعيدة قبل أن تلامس قدمي الأرض. أحسستُ أنني أطير، أطيرُ حُرّا/ الرواية. ص328). إنّ صرخة ماكمورفي، أو صمت الهندي يمثلان أنموذجا إنسانيا لدعم خيار مواجهة ضباب القمع والفوضى، وينهض بوصفه رافدا للبسالة الروحية.

صحيفة الصباح

2017-01-24 2017-01-24
admin