تحولات صناعتنا الثقافية

wait... مشاهدةآخر تحديث : الثلاثاء 24 يناير 2017 - 8:58 صباحًا
تحولات صناعتنا الثقافية

علي حسن الفواز

صناعة الثقافة تعني صناعة مؤسسات واليات عمل، بوصفها مجموعة من الفاعليات والأفكار والقيم والقوانين التي تعكس نمط الحياة في مكانٍ ما، فضلا عن كونها الأثر الذي يبقى، والحيّز الذي يمكن أن يستثمره العقل الثقافي لتنفيذ برامجه ومشاريعه.. اليوم ونحن نعيش ازمة بناء الدولة، وأزمة هويتها وعقلها المؤسسي، نجد انفسنا أمام العطب الصناعي للثقافة، ولمقاربة مشكلات الفراغ المدني للمؤسسات، وحتى للبرامج التي يمكنها أنْ تتبنى مسؤولية سدّ هذا الفراغ ومعالجة تعقيداته الفكرية والمعرفية والتربوية.. الولايات العراقية الرئيسية (بغداد والموصل والبصرة) خلال السلطنة العثمانية، ومنظومة تأسيس الدولة العراقية وتطورها خلال أكثر من تسعين عاما لم تشهد أية مبادرة لتحديد توصيف حقيقي للبناء المؤسسي للثقافة، ولم يُرسَم لصناعتها أيُّ أفقٍ واضح. فكلَّ ماكان متداولا من المظاهر الثقافية لا يعدو أنْ يكون جزءا من بعض المظاهر المدنية، وبعض الممارسات التي تقوم بها فاعليات اجتماعية ومهنية، فضلا عن التوصيف النمطي لما تواتر في اللاوعي الجمعي من الحكايات والمرويات والقصص التي كان يقوم بها بعض رجال الدين أو الحكواتيين، والتي تصطنع عبرها المخيلة صورا لأبطال شعبيين، أو لأبطال المقدّس الديني وحكاياتهم، وحتى النشاط الثقافي الذي تبنته بعض المؤسسات كان يصبّ في سياق خدمات الدولة العامة، لاسيما مايخصّ ثقافة ( الإحتلال العثماني والاحتلال الانكليزي، والصورة المُكرسة للنظام السياسي) والذي نجد ملامحه عبر ما كان يصدر من الصحف والمجلات، والتي كان يكتب بها العديد من الأدباء والصحفيين، إذ غلَب على هذه الكتابات الطابع السياسي، أو النقدي، أو الترويج لثقافة الرفاهية والفرجة. مظاهر المدنية العراقية كانت محدودة جدا، إذ تتبدى عبر مظاهر الفرجة والمتعة من خلال الملاهي والحفلات في القصور أو في المناسبات، أو من خلال العروض المسرحية الأهلية، أو بعض ماتنهض به بعض الجماعات الفنية والاجتماعية والنقابية، لكن هذ المظاهر ظلت نخبوية ومحدودة الأثر إزاء رقابة السلطة ومؤسساتها الأمنية.. وبعد تأسيس الجمهورية الأولى دخلت الصناعة الثقافية في المجال الايديولوجي والثوري والسلطوي، وتحولت الى مجال غير آمن، إذ يدفع بالعديد من المثقفين للمعارضة او لمناهضة السلطة، وهو ما يعني بالنسبة للسلطة الخيانة، لاسيما وان ثقافتنا قد استغرقتها الكثير من إغواءات الأيديولوجيا، وصارت منذ الستينات الأقرب الى الصناعة السرية، وأنَّ صنايعتها سيتحولون خلال عشرين سنة الى ثوار او ضحايا أو موتى أو الى عاطلين او الى خونة. ورغم كلّ مظاهر التحوّل الثقافي- الشعري والسردي والمسرحي والتشكيلي- وصدور العديد من البيانات الثقافية وأطروحات التجديد والتجريب، إلّا أنّ الهاجس السياسي والأيديولوجي ظل هو العلامة الواضحة على التمظهر في لحظات تاريخية مشوبة بالقلق والخوف والهروب من الاصطدام بالسلطة.. لكن ماحدث في السبعينات ومابعدها، جعل السؤال الثقافي أمام وقائع جديدة، قد تكون أكثر نزوعا للتعبير عن تمثلات للمغامرة الثقافية، ولهاجس مايغمرها من شغف بالحرية، والانفتاح على ثقافات العالم، لكنَّ هذا المُعطى كان توريةً عن نسقيات رعبٍ مضمرة، إذ عمدت السلطة المؤدلجة على توظيف الصناعة الثقافية في سياق بناء مؤسساتها، وفي تحويل هذه الصناعة الى مجال إستثماري ماكر في السياسة والأيديولوجيا والميديا، فقد جعلت الكثير من المثقفين موظفين بإمتيازات ضخمة وبكارزمات ومؤسسات باذخة، يسافرون ويشاركون في المهرجانات ولهم الحق في تشكيل الجماعات الادبية والفنية، وأنْ يطلقوا البيانات، لكن تحت يافطة السلطة وحمايتها، وفي سياق خدمتها العلنية ودون المساس بمقدسها الايديولوجي والعائلي الذي بدأ يتضخم ليصطنع لنفسه مايشبه(الدولة العميقة) دولة الأخ والرقيب والعرّاب.. ماحدث في الثمانينات- خلال مرحلة الحرب العراقية الايرانية- كان بداية الخراب الثقافي، حين نزعت السلطة حزام الأمان عن الجسد الثقافي وأدخلته في رعب الحرب وفي ثقافة الحرب، حتى صارت الثقافة في خدمة الحرب تماما، ووجد المثقف نفسه امام خيارين، إمّا الإنخراط في هذه اللعبة الدامية والمرعبة وحمل نياشينها وإطلاق أبواقها، وإمّا الهروب خارج القفص الى الصمت المريب والمشكوك فيه، وهو مايعني الهجرة أو الصمت وفقدان الإمتيازات والعودة الى غواية الرصيف وعطالة المقهى، والإنغمار في كتابة النصوص المرآوية المحشوة بالتوريات والإقنعة..

اللحظة العراقية ومتاهة الحروب.. اليوم وبعد ذهبت الحرب الى حروب أخرى، والدخول في متاهة اللامركزية واوهام الحرية والديمقراطية وصعود الاصوليات. فما الذي ستكون عليه الهوية الثقافية والصناعة الثقافية؟ وكيف سيصنع المثقف لحظة وجوده الفارقة في ظل تلك الحروب الصغيرة والمرعبة؟ ماهي قراءة هذا المثقف لعقد الهويات التي خرجت من المسكوت عنه وصارت نوعا من الصراخ العلني؟ وهل ان الديمقراطية الهشة هي ضمان حقيقي لصيانة الحريات العامة، وقيم الحياة المدنية؟ وهل اننا أمام مشروع حقيقي لبناء الدولة الجقوقية الجامعة، أم ان مايحدث هو تفكيك مرعب للمركز القديم العالق بأهداب تاريخ دامي؟ كل هذه الأسئلة تتموضع الآن كصور علنية وفاضحة للواقع الجديد، إذ تثير حوله الكثير من الجدل والقلق، لاسيما وان معطيات التاريخ السياسي الوطني ومايجري الان من حرائق، قد كشف حجم مريع من الخواء الثقافي المؤسسي وضعف ما تراكم من أوهامه، فضلا عن العجز المرعب والعميق في تحديد هوية واضحة للانتلجنسيا العراقية، وتمكينها من أنْ تصنع مشروعا واحدا لمواجهة مايجري، على مستوى وضع تصورات وأفكار حول مشروع الدولة المدنية والتعايش والقبول بالآخر، وعلى مستوى مواجهة رعب الارهاب، والفساد، وكذلك على مستوى مواجهة ألازمة النبيوية الغامرة لمحنة والطائفية والتكفير ورثاثات الأدلجات القاتلة..

صحيفة الصباح

2017-01-24 2017-01-24
M1